محمد بن عبد الله ( ابن مالك )
160
شرح الكافية الشافية
--> - زيدا عقله " ، وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان " . قال الشيخ : " وفيه بعض مناقشة : أمّا الأول فقوله : " ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب " وليس العذاب والغفران تفصيلا لجملة الحساب ؛ لأنّ الحساب إنما هو تعداد حسناته وسيئاته وحصرها ، بحيث لا يشذّ شئ منها ، والغفران والعذاب مترتبان على المحاسبة ، فليست المحاسبة مفصلة بالغفران والعذاب . وأما ثانيا فلقوله بعد أن ذكر بدل البعض من الكل وبدل الاشتمال : " وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان " أما بدل الاشتمال فهو يمكن ، وقد جاء لأنّ الفعل يدلّ على الجنس وتحته أنواع يشتمل عليها ، ولذلك إذا وقع عليه النفي انتفت جميع أنواعه ، وأما بدل البعض من الكل فلا يمكن في الفعل إذ الفعل لا يقبل التجزؤ ، فلا يقال في الفعل له كل وبعض إلا بمجاز بعيد ، فليس كالاسم في ذلك ، ولذلك يستحيل وجود بدل البعض من الكل في حق اللّه تعالى ، إذ الباري تعالى لا يتقسم ولا يتبعض . قلت : ولا أدرى ما المانع من كون المغفرة والعذاب تفسيرا أو تفصيلا للحساب ، والحساب نتيجته ذلك ، وعبارة الزمخشري هي بمعنى عبارة ابن جنى . وأما قوله : " إن بدل البعض من الكل في الفعل متعذر ؛ إذ لا يتحقق فيه تجزّؤ " - فليس بظاهر ؛ لأن الكلية أو البعضية صادقتان على الجنس ونوعه ؛ فإنّ الجنس كلّ والنوع بعض . وأما قياسه على الباري تعالى فلا أدرى ما الجامع بينهما ؟ وكان في كلام الزمخشري ما هو أولى بالاعتراض عليه ، فإنه قال : " وقرأ الأعمش : " يغفر " بغير فاء مجزوما على البدل من " يحاسبكم " كقوله : متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا * تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا وهذا فيه نظر ؛ لأنه لا يطابق ما ذكره بعد ذلك - كما تقدم حكايته عنه - لأن البيت قد أبدل فيه من فعل الشرط لا من جوابه ، والآية قد أبدل فيها من نفس الجواب ، ولكنّ الجامع بينهما كون الثاني بدلا مما قبله وبيانا له . وقرأ أبو عمرو بإدغام الراء في اللام ، والباقون بإظهارها . وأظهر الباء قبل الميم هنا ابن كثير بخلاف عنه ، وورش عن نافع ، والباقون بالإدغام . وقد طعن قوم على قراءة أبى عمرو ؛ لأن إدغام الراء في اللام عندهم ضعيف . قال الزمخشري : فإن قلت : كيف يقرأ الجازم ؟ قلت : يظهر الراء ويدغم الباء ، ومدغم الراء في اللام لاحن مخطئ خطأ فاحشا ، وراويه عن أبي عمرو مخطئ مرتين ؛ لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم ؛ والسبب في هذه الروايات قلة ضبط الرواة ، وسبب قلة الضبط قلة الدراية ، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو . قلت : وهذا من أبى القاسم غير مرضىّ ؛ إذ القرّاء معنيّون بهذا الشأن . لأنهم تلقوا عن شيوخهم الحرف بعد الحرف ، فكيف يقل ضبطهم ؟ وهو أمر يدرك بالحسّ السمعي ، والمانع من إدغام الراء في اللام والنون هو تكرير الراء وقوتها ، والأقوى لا يدغم في الأضعف ، وهذا مذهب البصريين : الخليل وسيبويه ومن تبعهما ، وأجاز ذلك الفراء والكسائي والرؤاسي ويعقوب الحضرمي ورأس البصريين أبو عمرو ، وليس قوله : " إن هذه الرواية غلط عليه " بمسلّم . ينظر : الدر المصون ( 1 / 690 - 692 ) .