محمد بن عبد الله ( ابن مالك )

153

شرح الكافية الشافية

--> - القراءة الأولى فجواب الشرط فيها قوله " فتذكّر " ، وذلك أنّ حمزة رحمه اللّه يقرأ : " فتذكّر " بتشديد الكاف ورفع الراء فصحّ أن تكون الفاء وما في حيّزها جوابا للشرط ، ورفع الفعل لأنه على إضمار مبتدأ أي : فهي تذكّر ، وعلى هذه القراءة فجملة الشرط والجزاء هل لها محلّ من الإعراب أم لا ؟ قال ابن عطية : " إنّ محلها الرفع صفة لامرأتين " ، وكان قد تقدّم أن قوله : " ممّن ترضون " صفة لقوله " فرجل وامرأتان " . قال الشيخ : " فصار نظير " جاءني رجل وامرأتان عقلاء حبليان " وفي جواز مثل هذا التركيب نظر ، بل الذي تقتضيه الأقيسة تقديم " حبليان " على " عقلاء " ؛ وأما إذا قيل بأن " ممّن ترضون " بدل من رجالكم ، أو متعلّق ب " استشهدوا " فيتعذّر جعله صفة لامرأتين للزوم الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي " . قلت : وابن عطية لم يبتدع هذا الإعراب ، بل سبقه إليه الواحدي فإنه قال : " وموضع الشرط وجوابه رفع بكونهما وصفا للمذكورين وهما " امرأتان " في قوله : " فرجل وامرأتان " لأن الشرط والجزاء يوصف بهما ، كما يوصل بهما في قوله : الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ . والظاهر أنّ هذه الجملة الشرطية مستأنفة للإخبار بهذا الحكم ، وهي جواب لسؤال مقدّر ، كأن قائلا قال : ما بال امرأتين جعلتا بمنزلة رجل ؟ فأجيب بهذه الجملة . وأما القراءة الثانية ف " أن " فيها مصدرية ناصبة للفعل بعدها ، والفتحة فيه حركة إعراب ، بخلافها في قراءة حمزة ، فإنها فتحة التقاء ساكنين ، إذ اللام الأولى ساكنة للإدغام في الثانية ، والثانية مسكّنة للجزم ، ولا يمكن إدغام في ساكن ، فحرّكنا الثانية بالفتحة هربا من التقائهما ، وكانت الحركة فتحة ؛ لأنها أخفّ الحركات ، و " أن " وما في حيّزها في محلّ نصب أو جرّ بعد حذف حرف الجر ، وهي لام العلة ، والتقدير : لأن تضلّ ، أو إرادة أن تضلّ . وفي متعلّق هذا الجارّ ثلاثة أوجه : أحدها : أنه فعل مضمر دلّ عليه الكلام السابق ، إذ التقدير : فاستشهدوا رجلا وامرأتين لأن تضلّ إحداهما ، ودلّ على هذا الفعل قوله : " فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان " ، قاله الواحدي ، ولا حاجة إليه ، لأنّ الرافع لرجل وامرأتين مغن عن تقدير شئ آخر ، وكذلك الخبر المقدّر لقولك : " فرجل وامرأتان " إذ تقدير الأول : فليشهد رجل . وتقدير الثاني : فرجل وامرأتان يشهدون لأن تضلّ ، وهذان التقديران هما الوجه الثاني والثالث من الثلاثة المذكورة . وهنا سؤال واضح جرت عادة المعربين والمفسّرين يسألونه وهو : كيف جعل ضلال إحداهما علة لتطلّب الإشهاد أو مرادا لله تعالى ، على حسب التقديرين المذكورين أولا ؟ وقد أجاب سيبويه وغيره عن ذلك بأن الضلال لمّا كان سببا للإذكار ، والإذكار مسبّبا عنه ، وهم ينزّلون كلّ واحد من السبب والمسبّب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما كانت إرادة الضلال المسبّب عنه الإذكار إرادة للإذكار ، فكأنه قيل : إرادة أن تذكّر إحداهما الأخرى إن ضلّت ، ونظيره قولهم : " أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه ، وأعددت السلاح أن يجئ عدوّ فأدفعه " فليس إعدادك الخشبة لأن يميل الحائط ولا إعدادك السلاح لأن يجئ عدوّ ، وإنما هما للدّعم إذا مال وللدفع إذا جاء العدو ، وهذا ممّا يعود -