ابن يعقوب المغربي

99

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

العلم العقلي هو العلم الحسى غالبا ، ولهذا يقال : من فاته حس فإنه علم ، ويعنى علم ذلك الحس الفائت ، اللهم إلا أن يكون من عكس التشبيه مبالغة ، كما سيأتي ، بأن يجعل الأصل فرعا ، والفرع أصلا بادعاء أن الفرع أقوى مبالغة والأصل أضعف ، وهذا المعنى موجود في التشبيه كثيرا ، كما في قوله فيما يأتي : وبدا الصباح كأن غرته * وجه الخليفة حين يمتدح " 1 " فإن وجه الخليفة أضعف في نفس الأمر في الضياء من الصباح ، ولكن جعل أقوى ادعاء مبالغة في مدحه ، فجعل مشبها به . قيل : ولقائل أن يقول : لا شك أن الإدراك العقلي مستند للإدراك الحسى في غالب الأمر ، ولكن لا يلزم من ذلك كون المحسوس أقوى أبدا في وجه الشبه ، وأشهر به ، وإنما يكون كذلك حيث يكون الوجه أصله الحسى ، ونحن نجوز أن يكون أصله العقلي فيكون العقلي به أشهر وأظهر ، فتشبيه العطر بالخلق مثلا في استطابة النفس يكون من عكس التشبيه كما قيل لأن استطابة النفس للمشموم المحسوس أقرب من استطابة المعقول ؛ وإنما نثبت له الاستطابة من طريق التوهم والقياس على الحس ، وإنما تشبيهه به في الشرف عند العقول وفي الارتفاع والتلذذ الروحاني فالخلق به أظهر وعلى هذا فلا حاجة إلى جعل تشبيه الحسى بالعقلي من عكس التشبيه دائما ، وهو ظاهر ، ولما جعل المشبهين محصورين في العقلي والحسى حيث لم يذكر غيرهما أراد أن يبين أن ما يدرك بغير القوة العاقلة وبغير الحواس الخمس داخل فيهما كالخياليات والوهميات والوجدانيات ، ويأتي الآن - إن شاء اللّه تعالى - بيان المراد بالخيالى والوهمي هنا لئلا يتوهم عدم الحصر في التقسيم ، وأن يبين أن هذه لم تجعل أقساما على حدة ، بل أدخلت في العقلي والحسى ؛ تقليلا للتقسيم ، وتسهيلا للضبط ، فقال :

--> ( 1 ) البيت لمحمد بن وهيب في الإشارات ص ( 191 ) ، والطيى في شرح المشكاة ( 1 / 108 ) بتحقيق د . عبد الحميد هنداوي .