ابن يعقوب المغربي
716
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
( وأحسنه ) أي : وأحسن الانتهاء ( ما آذن بانتهاء الكلام ) أي : ما أعلم بأن الكلام الذي جعل ذلك آخره قد انتهى ، والإشارة إلى الانتهاء ، إما بأن يشتمل ما جعله آخرا على ما يدل على الختم ؛ كلفظ الختم ، ولفظ الانتهاء ، ولفظ الكمال وشبه ذلك ، وإما بأن يكون مدلوله مفيدا عرفا أنه لا يؤتي بشيء بعده فلا يبقي للنفس تشوف لغيره وراء ذلك ( كقوله ) أي : كقول المعرى ( بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ) " 1 " أي : يا كهفا يأوي إلى عزه أهله ، والمراد بأهله جنسه بدليل ما بعده ( وهذا دعاء للبرية شامل ) يعنى لما كان بقاؤك سببا لنظام البرية ، وحسن حالهم برفع الخلاف فيما بينهم ، ودفع ظلم بعضهم بعضا ، وتمكن كل واحد ببلوغ مصالحه كان الدعاء ببقائك دعاء بنفع العالم ، ونعنى بالعالم الناس وما يتعلق بهم ، وإنما آذن هذا الدعاء بانتهاء الكلام ؛ لأنه لا يبقى عند النفس ما يخاطب به هذا المخاطب بعد هذا الدعاء ؛ ولأن العادة جرت بالختم بالدعاء ومثل ذلك قوله : فلا حطت لك الهيجاء سرجا * ولا ذاقت لك الدنيا فراقا " 2 " وهذه المواضع الثلاثة يعنى الابتداء والتخلص والاختتام مما يبالغ المتأخرون في التأنق فيها ، لا سيما التخلص لدلالته على براعة الشاعر أو الكاتب ، وأما المتقدمون فقد قلت عنايتهم بذلك كما شهدت بذلك قصائد كل فريق . ( وجميع فواتح السور وخواتمها واردة على أحسن الوجوه وأكملها ) يعنى أن فواتح السور القرآنية وخواتمها واردة على أكمل ما ينبغي من البلاغة وأعلى ما يراعى من البراعة ، فتجد فيها من الفنون أي : المعاني المختلفة ، المطابق كل منها لما نزل له ، المفيد لأكمل ما ينبغي فيه ما لا ينحصر ، وتجد فيها من أنواع الإشارة أي : اللطائف المشار إليها مما يناسب كل منها ما نزل لأجله ، ومن خوطب به ما لا يقدر قدره ؛ فتجد في الفواتح تحميدات وتنزيهات لعلام الغيوب تعجز جميع العقول عن استقصاء مذاق حسنها وإيجازها وطباقها كما في قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ
--> ( 1 ) البيت للمعرى ، شرح عقود الجمان ( 2 / 199 ) . ( 2 ) البيت في الإيضاح ص ( 366 ) .