ابن يعقوب المغربي

672

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

وروى أنه أطلقه من السجن لما سمع الأبيات ، وهذا البيت هو الأشمل ، الثاني وهو يفيد أنه أقام الممدوح مقام جميع العالم لجمعه جميع أوصافه ، فهو أشمل مما في بيت البحتري لاختصاصه بإقامة الممدوحين مقام الناس في الرضا والغضب ، وهو أفاد إقامة واحد مقام جميع الناس في كل شيء ، ولا يخفي خفاء الأخذ بينهما ، فإنه لولا اعتبار اللوازم الخفية ما فهم انتشاء الأول من الثاني - كما قررنا - ولم يتعرض للعكس وهو أن يكون الأول أشمل مع إمكانه ، وكأنه لعدم وجدان مثاله . القلب ( ومنه ) أي : ومن غير الظاهر ( القلب وهو ) أي : القلب ( أن يكون معنى ) البيت ( الثاني نقيض معنى ) البيت ( الأول ) كأن يقرر البيت الأول حب اللوم في المحبوب لعلة ، ويقرر الثاني أنه مذموم لعلة أخرى ، فيكون التناقض والتنافي بين البيتين بحسب الظاهر ، وإن كانت العلة تنفي التناقض ؛ لأنها مسلمة من الشخصين فيكون الكلامان غير كذب معا ، ومعلوم أن من كانت عنده العلة الأولى صح الأول باعتباره ، ومن كانت عنده الثانية صح الكلام باعتباره ؛ فالتناقض في ظاهر اللفظين ، والالتئام باعتبار العلل والمحال ، وذلك ( كقوله : أجد الملامة ) " 1 " أي : اللوم والإنكار على ( في هواك لذيذة ) أي : أجد لذلك اللوم فيك لذة ، لتناهى حبي فيك ، حتى صرت أتلذذ بمطلق ذكرك على أي وجه كان ، وإلى هذا أشار بقوله ( حبا ) أي : إنما وجدتها لذيذة لأجل حبي ( لذكرك ) على أي وجه كان ( فليلمني اللوم ) جمع لائم ، وهذا هو الأول المنقوض ( وقول أبي الطيب : أأحبه وأحب فيه ملامة * إن الملامة فيه من أعدائه ) " 2 " وهذا هو الثاني الناقض للأول ، وإنما كان اللوم فيه من العدو ؛ لأن الحب يتضمن كمال المحبوب ورفعته ، واللوم على أمر فيه تعظيم لأحد ، وكمال لا يكون إلا من عدوه المبغض له ، وإن كان يمكن أن يكون اللوم رفقا بالملوم وإبقاء عليه ، لكنه خلاف الأصل بل لا يسمى في الحقيقة لوما ، بل عزاء وحملا على التصبر بالتقصير ،

--> ( 1 ) البيت لأبى الشيص ، أورده الجرجاني في الإشارات ص ( 314 ) ، والإيضاح ( 348 ) . ( 2 ) البيت لأبى الطيب في ديوانه ( 1 / 1 ) ، والإشارات ص ( 314 ) ، وشرح عقود الجمان ( 2 / 180 ) .