ابن يعقوب المغربي

67

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

الفن الثاني علم البيان قد تقدم أنه أخره عن علم المعاني ؛ لأن مفاد علم المعاني من مفاد البيان بمنزلة المفرد من المركب ، وإن شئت قلت : لأنه بالنسبة إليه ككيفية مع المكيف أو كخاص بعد عام . وبيان الأول أن إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الذي هو مرجع علم البيان إنما يعتبر بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال التي هي مرجع علم المعاني ، وتوقف المراد من البيان على المراد من المعاني كتوقف الكل على الجزء ، وفيه نظر تقدمت الإشارة إليه ؛ لأن إيراد المعنى الواحد بطريق من الطرق التي يقبلها لا يستلزم المطابقة لذاته ، فلا توقف وإن أريد أن الإيراد لا عبرة به في باب البلاغة إلا أن تكون معه مطابقة لمقتضى الحال بمراعاة أحوال الكلام المذكورة في علم المعاني ، وإلا أن تكون فيه مطابقة بمراعاة كون ذلك الطريق نفسه مطابقا بأن يؤتى بالطريق الأوضح عند مناسبة الأوضح مثلا وبما دونه عند مناسبته مثلا ، فهذا لا يستفاد . من البيان بل المعاني هو المفيد أن كل حال مناسب للمقام تجب مراعاته ، سواء كان طريق وضوح أو خفاء أو غير ذلك ، ولو استفيد منه كان من المعاني ، وعلى تقدير استفادة كون الطريق المأتى به لا بد أن يكون مطابقا من هذا الفن ، فمطابقته المذكورة في المعاني حينئذ غير المطابقة المستفادة من البيان ، ولا توقف لأحدهما على الآخر ، بل المتبادر أن مفاد علم البيان هو الذي يتنزل من مفاد المعاني منزلة الجزء من الكل ؛ لأنه هو للاحتراز عن التعقيد المعنوي الذي تتحقق به الفصاحة التي هي جزء من البلاغة فليفهم . وأما الثاني ؛ وهو كونه كيفية من المكيف ، فإن الدلالة على أصل المعنى بكلام مطابق لمقتضى الحال بأن يراعى فيها الأحوال المناسبة المذكورة في علم المعاني يعرض في تلك الدلالة مفاد علم البيان ، وهو كونها بطريق مخصوص دون آخر مما ليس فيه التعقيد ، وهذا قريب ، غير أن تلك الكيفية لا تتميز ، في الحقيقة عن المطابقة لأنها لا بد