ابن يعقوب المغربي
669
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
قد تقدم ، وهو أن غير الظاهر لا بد أن يكون بحيث لا يدرك كون الثاني من الأول إلا بتأمل ، كما يتضح في الأمثلة بعد ، والذوق السليم شاهد بذلك ، وأما هذا المثال فوجه الخفاء أن الأول سوى بين مفهوم ذي العمامة والخمار في مصدوقهما ، والثاني شبه مفهوم من في كفه خضاب بمن في كفه قناة باعتبار مصدوقهما فيتبادر - قبل التأمل - أن المعنيين لما اختلف المفهوم فيهما مختلفين بخلاف ما تقدم ، فالمعنى ظاهر الاتحاد ، هذا والحق أن هذا المثال قريب من الظاهر بل ينبغي أن يجعل منه ، والمثال الذي فيه التشابه بلا ظهور كقوله : لقد زادني حبا لنفسي أنني * بغيض إلى كل امرئ غير طائل " 1 " وقوله : وإذا أتتك مذمتي من ناقص * فهي الشهادة لي بأني كامل " 2 " فمعنى البيت الأول أن بغض ما ليس بطائل أي : لا فائدة فيه يزيدني حبا في نفسي ؛ لأني أعلم بذلك أنه ما أبغضني إلا لكونه لم يناسب ما فيه من المعاني والأخلاق ما في ، ومعنى الثاني أنه إذا ذمني ناقص ذميم في نفسه كان ذمه شهادة بكمالي ، ومعلوم أن البغض يستلزم عادة ذم المبغوض ، وحب الإنسان نفسه يستلزم إدراك كمالها فالمعنيان مشتبهان في أمر يعمهما ، وإن اختلف مفهومهما ، وذلك الذي يعمهما هو أن مباعدة الأرذال وإذايتهم للإنسان تفيد رفعته ، لكن لخفاء أخذ أحدهما من الآخر ؛ لأن التماثل إنما هو باعتبار هذا الأمر العام الذي يبعد استشعار الأخص منه ، فنزلا فيه بمنزلة الأخصين باعتبار الجنس الأعلى جعل الثاني أي : أخذه من خلاف الظاهر ، والذوق السليم شاهد بذلك فتأمل . المنقول ولما كان غير الظاهر مشعرا بالحاجة إلى التأمل صح فيه نقل المعنى من مكان إلى آخر ، إذ غاية ما فيه زيادة الخفاء ولا ينافيه ، فيصح أن ينقل المعنى من نسيب أي : وصف بالجمال يقال نسب بكسر سين المضارع ، إذا شبب بامرأة ذكر منها ما يلائم
--> ( 1 ) البيت للطرماح ، في الإيضاح ص ( 346 ) . ( 2 ) البيت لأبى الطيب ، في الإيضاح ص ( 346 ) .