ابن يعقوب المغربي

667

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

في الأرواح ، كالسيف في تلبسه بما يوجب التأثير من الجذ ولا قطع ، ولا ينافي ذلك اعتبار الاستعارة بالكناية فيما تحقق به وجه الشبه ، وهو الكلام بنسبة لوازم السيف له . ( وثالثها ) أي : وثالث الأقسام التي هي للكلام الذي فيه أخذ المعنى وحده ، وهو ما يكون مثل الأول المأخوذ منه في البلاغة ( كقول ) زياد ( الأعرابي : ولم يك ) " 1 " أي : الممدوح ( أكثر الفتيان ) أي : الأقران ( ما لا ولكن كان ) هذا الممدوح ( أرحبهم ) أي : أوسعهم ( ذراعا ) أي : أسخاهم ، يقال : فلان رحب الراحة ورحب الباع ورحب الذراع ، بمعنى أنه : سخي ، وهو مجاز مرسل من إطلاق اسم الملابس وهو سعة الذراع أو الباع الذي هو مقدار اليدين مع ما يتصلان به ، أو الراحة على كثرة المعطى ؛ لأن الراحة والذراع والباع بها يحصل المعطي عند قصد دفعه ، فإذا اتسع كثر ما يملؤه فلابست السعة الكثرة عند العطاء ، فأطلقت السعة على الكثرة بتلك الملابسة مع القرينة وهذا هو الكلام الأول ، ( وقول أشجع : وليس ) " 2 " أي : الممدوح الذي هو جعفر بن يحيى ( بأوسعهم ) أي : بأوسع الملوك ( في الغنى ) أي : في المال ( ولكن معروفه ) أي : إحسانه ( أوسع ) من معروفهم ، وهذا هو الكلام الثاني ، فقد اتفق البيتان على أن الممدوح لم يزد على الأقران في المال ، ولكن فاقهم في الكرم وهما متماثلان ؛ إذ لم يختص أحدهما بفضيلة عن الآخر ، فكان الثاني أبعد من الذم كما تقدم في ثالث أقسام الأول ، ولكن لا يخفى أن الأول فاق الثاني في التعبير عن الكرم بطريق التجوز ، ولهذا قيل : إن معروفه لا يعجب ، وقيل : إن وجه كونه لا يعجب أن المعروف قد يعبر به عن الدبر ، فيقال : معروفه أوسع ، أي : الشيء المعروف منه كناية عن الدبر أوسع ، فاستهجن هذا التعبير لما عهد فيه من هذا المعنى ، ولا يخفى أن هذا التوجيه إنما يتجه إن صح الإخبار عن المعروف بقوله : أوسع مرادا به هذا المعنى على وجه الكثرة ، وإلا فلا يخفى فساده ؛ لوجود المعروف في الكلام البليغ ، ولا يعتريه الاستهجان بوجه تأمله . ولما فرغ من الأخذ الظاهر وأقسامه شرع في غير الظاهر فقال .

--> ( 1 ) البيت لأبى زياد الأعرابي في شرح عقود الجمان ( 2 / 179 ) ، والإشارات ص ( 312 ) . ( 2 ) البيت لأشجع بن عمرو السلمى في الأغانى ( 18 / 233 ) ، وشرح عقود الجمان ( 2 / 179 ) ، والإشارات ( 312 ) .