ابن يعقوب المغربي

579

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

أريد إثبات مخالف لما قبلها ؛ لأن الاستثناء أصله المخالفة ، فلما كان المأتي به كونه من قريش المستلزم لتأكيد الفصاحة ، إذ قريش أفصح العرب جاء التأكيد كما لا يخفى عند كل ذي طبع سليم . وإنما كان مدحا بما يشبه الذم ، لما ذكرنا من أن أصل ما بعد الأداة مخالفته لما قبلها ، فإن كان ما قبلها إثبات مدح كما هنا ، فالأصل أن يكون ما بعدها سلب مدح ، وإن كان سلب عيب كما في السابق فالأصل فيما بعدها أن يكون إثبات عيب ، وهو هنا ليس كذلك ، فكان مدحا في صورة ذم ؛ لأن ذلك أصل دلالة الأداة وبيد : فيه لغتان أخريان ميد بالميم أولا ، وببد بالباءين الموحدتين قيل إنها بمعنى غير وعليه بنى المثال ، وأما إن جعلت بمعنى لأجل كما قيل إنها تدل على ذلك ؛ فلا يكون المثال من هذا الباب كما لا يخفى . ثم أشار إلى ما يتبين به أن هذا الضرب إنما يفيد التأكيد من وجه واحد من الوجهين السابقين ، ليرتب على ذلك أن الأول أفضل منه فقال : ( وأصل الاستثناء فيه ) أي في هذا الضرب ( أيضا أن يكون منقطعا ) كما أن الاستثناء في الضرب الأول منقطع . أما الانقطاع في الضرب الأول ؛ فلأن الفرض أن معناه : أن يستثنى من العيب خلافه ، فلم يدخل المستثنى في جنس المستثنى منه فيه . وأما الانقطاع في هذا الضرب فلانتفاء العموم في المستثنى منه ، فلم يدخل المستثنى في المستثنى منه ، وكون الأصل في الضربين الانقطاع لا ينافي كون الأصل في مطلق الاستثناء الاتصال ؛ لأن المتعلق في الأصلين مختلف عموما وخصوصا فإن قلت : لما قال : أصل الاستثناء فيه الانقطاع كالأول لأن لفظة أيضا تدل على ذلك ، ولم يقل والاستثناء فيهما منقطع ؟ قلت : كأنه راعى ما عسى أن يعرض فيهما من تكلف ردهما متصلين ، فيكون المراد بالأصل ما يتبادر من التركيب دون ما يتأول . أما التأويل في الأول فكأن يقدر لا شيء فيه إلا هذا الأمر أو يراعى الاتصال بتقصير كون المستثنى عيبا . وأما الثاني فكأن يقدر أنا أفصح العرب فلا شيء يخل بفصاحتي إلا أني من قريش ، إن كان مخلا ، فأشار إلى أن ذلك خلاف الأصل وقد ظهر