ابن يعقوب المغربي
439
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
ولما فرغ من المجاز ، وهو الباب الثاني من هذا الفن ، الذي هو أعظم أبوابه شرع في الثالث الذي به تمام الفن ، وهو باب الكناية ، فقال : ( الكناية ) وهو مصدر كنيت بكذا عن كذا إذا تركت التصريح به ، وعليه فلامه ياء وقد يقال كنوت به عنه بالواو فتكون لامه واوا ، ولكن هذه اللغة ينافيها المصدر إذ لم يسمع كناوة بالواو ، ولا يقال لعله على هذه اللغة قلبت في المصدر ياء للكسرة في فائه ، لأنا نقول : الكسرة في نحو ذلك لا توجب قلبا ، فالتزام الياء في المصدر يدل على أن اللام ياء وأن الواو في كنوت قلبت عن الياء سماعا . وأما في الاصطلاح ، فتفسر على أنها مصدر بأنها هي الإتيان بلفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه ، وهي بهذا المعنى أخص من معناها لغة ، وتطلق على ذلك اللفظ المأتي به ، وهذا المعنى هو الكثير في استعمالها . وإلى تعريفها بذلك أشار بقوله : هي ( لفظ ) خرج عنه ما دل مما ليس بلفظ كالإشارة ( أريد به ) خرج به لفظ الساهي والسكران ( لازم معناه ) خرج به اللفظ الذي يراد به نفس معناه وهو الحقيقة الصرفة ، وقد تقدم أن المراد باللزوم هنا مطلق الارتباط ولو بعرف ، لا اللزوم العقلي ( مع جواز إرادته ) أي إرادة معناه ( معه ) أي : مع ذلك اللازم فمن قيودها أنها بعد إرادة اللازم بلفظها لا بد أن لا تصحبها قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي مع ذلك اللازم ، وذلك كطويل النجاد وهو حمائل السيف إذا أطلق وأريد به لازم معناه الذي هو طول القامة ، مع جواز إرادة معنى طول النجاد نفسه بأن لا توجد قرينة تمنع من إرادة نفس معنى طول النجاد ( فظهر ) بما ذكر وهو أن الكناية يصحبها جواز إرادة المعنى الأصلي ( أنها ) أي ظهر بذلك أن الكناية ( تخالف المجاز ) السابق لا مطلق المجاز المقابل للحقيقة ، فإنها منه . وقيل : إنها واسطة بينهما ( من جهة ) أي ظهر أنها تباين المجاز من هذه الجهة ، وهي جهة جواز ( إرادة المعنى ) الحقيقي فيها ( مع إرادة لازمه ) أي : لازم المعنى الحقيقي بخلاف المجاز ؛ فإنه ولو شارك الكناية في مطلق إرادة اللازم به لا بد معه من قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي مع ذلك اللازم ، وقد تبين أن الكناية والمجاز يشتركان في إرادة