ابن يعقوب المغربي
330
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
قدر أن لفظ النطق استعير لأنه لا دليل على أنه لا بد أن يستعار لفظ المصدر أولا فالفعل المحقق هو تقدير الاستعارة لجواز أن لا يسمع إطلاق المصدر على غير معناه مجردا عن الفعل فإن قيل الدلالة كما قررت لازمة للنطق فكيف تجعل الدلالة مشبهة بالنطق مع أنه ملزومها إذ لا فائدة في تشبيه الشيء بملزومه ، ولا في إدخال اللازم في جنس الملزوم الذي هو مبني الاستعارة بل إطلاق النطق على الدلالة من إطلاق اسم الملزوم على اللازم مجازا مرسلا فلا يكون من الاستعارة التبعية . قلنا : لا نسلم أن النطق استعمل في لازمه الذي هو الدلالة به بل في دلالة الحال بخصوصها ، ووجه الشبه بينهما متحقق كما تقدم ، وهو اتضاح المعنى بكل منهما وإن كان اتضاحه في النطق بواسطة مطلق الدلالة وفي دلالة الحال بنفس دلالتها فيكون اللفظ استعارة وعلى تقدير تسليم أنه مستعمل في مطلق الدلالة فلا نسلم عدم صحة تشبيه لازم الشيء به عند وجود وجه ملابس لكل منهما يصح به التشبيه فنقول اعتبر التشبيه بين معنى النطق والدلالة في ملابسه الاتضاح لأنه بالنطق أشهر فاستعير اللفظ . وغاية ما في الباب أن لفظ النطق يصح أن يستعمل في الدلالة بطريق التشبيه فيكون الانتقال فيه من الملزوم إلى اللازم بواسطة التشبيه ، وجعل وجه الشبه وسيلة للزوم بين المنتقل عنه وإليه كما تقدم ، فيكون استعارة ، وأن يستعمل فيها برعاية علاقة اللزوم بلا تشبيه ولا جعل وجه الشبيه وسيلة وهو صحيح إذ اللفظ الواحد يجوز أن يكون استعارة ومجازا مرسلا باعتبار علاقتي التشبيه ، ومطلق اللزوم العاري عن التشبيه ، وإذا كان الانتقال باللزوم في كل منهما فلفظ النطق في مطلق الدلالة لكونها لازمة لمدلوله فهو مجاز مرسل ، ويلزم كونه مجازا مرسلا تبعيا في الفعل وما يشتق منه ولو لم يذكروه كما تقدم ، وإن استعمل في الدلالة لكونها تشبيهه في اتضاح المعنى بكل منهما لكون الاتضاح في النطق أشهر كما هو المراد هنا على ما قرر كان استعارة ويلزم كونه استعارة تبعية في المشتقات ، وإذا فهمت ما قررنا اتضح المراد وانكشف الانتقاد واللّه الموفق بمنه .