ابن يعقوب المغربي
288
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
وضع له ، وهو السبع ، ولو ادعى أن الرجل الشجاع صار أسدا وههنا شيء يحتاج إلى تحقيق يندفع به وهو أن ما ذكر من كون لفظ الاستعارة أريد به غير معناه إنما يكون بنصب القرينة ، ونصب القرينة على إرادة ما لم يوضع له اللفظ ينافي ما أشير إليه من الادعاء والإصرار على أن اللفظ أريد به ما وضع له . والتحقيق الذي يندفع به ذلك أن يقال ليس المراد أن الجنس نفسه الذي قد ادعى دخول المشبه فيه ، وأصر على ثبوته للمشبه نصبت القرينة على عدم إرادته ، وإنما المراد أن المدعى بنى ادعاءه على أن الأسد مثلا جعل له بطريق التأويل والمبالغة فردان ، متعارف وهو الذي له الجراءة المتناهية والغاية في القوة في جثة ذي الأظفار والأنياب والشكل المخصوص ، وغير متعارف وهو فرد آخر له تلك القوة والجراءة بنفسها لكن في جثة الآدمي وكأن اللفظ على هذا موضوع للقدر المشترك بينهما ، كالمتواطئ ، وادعاء وجود حقيقة في ضمن أفراد غيرها موجود في كلامهم كقول المتنبي في عده نفسه وجماعته من جنس الجن وعد جماله من جنس الطير : نحن جن برزن في زي ناس * فوق طير لها شخوص الجمال " 1 " ولما بنى الادعاء على هذا التأويل الذي أشعر به الدخول في الجنسية لا في نفس المستعار منه ، تحقق في محل الاستعارة شيئان : أحدهما : وهو المتعارف هو الذي وضع له الأسد مثلا في الأصل ، ولو اقتضى هذا التأويل نفى الوضع له بخصوصه . وثانيهما : وهو غير المتعارف هو الذي لم يوضع له اللفظ بخصوصه ولا بالعموم وإن اقتضى التأويل كونه موضوعا له بالعموم ، فاندفع ما توهم من أن الإصرار على ثبوت الأسدية مثلا للمشبه ينافي نصب القرينة على أنه أريد باللفظ ما ثبتت له الأسدية ، وذلك لأن الذي نصبت القرينة على عدم إرادته هو الفرد الذي ثبتت له الأسدية بشرط أن يكون هذا المتعارف والذي ادعيت له وأصر على ثبوتها له هو الفرد الغير المتعارف ، ولم تنصب القرينة على نفس الجنس الذي ادعى الدخول تحته ، وصدق
--> ( 1 ) البيت للمتنبى في ديوانه ( 1 / 166 ) ، والإيضاح ص ( 260 ) بتحقيق د / عبد الحميد هنداوى .