ابن يعقوب المغربي
227
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
نسب الجريان إليه ، وإن كان الجاري في الحقيقة هو الشعاع المصفر الواقع فيه ، ويحتمل أن يكون في الكلام استعارة ، بأن يستعار الذهب لنفس الشعاع المصفر ، وتكون إضافته إلى الأصيل من إضافة المظروف للظرف ، وعلى كل فقد أفهم التركيب أن الشعاع يكسو وجه الماء ويجرى عليه ، ولا شك أن جريانه على الماء يستشعر منه حالة جريان الذهب على الفضة التي سقيت به ، فيكون في الكلام ظرافة في تضمنه تشبيها آخر لطيفا ، وبحمل هذا البيت على هذا الذي هو المتبادر منه يكون من لجين الكلام بضم اللام وفتح الجيم وهو حسنه وشريفه ، لا من لجينه بفتح اللام وكسر الجيم وهو خسيسه وقبيحة ، ويكون من هجانه بكسر الهاء وهو عليه ، وشريفه لا من هجينه بفتح الهاء وهو رديه ووضيعه ، ومن الناس من ذهب إلى أن اللجين في البيت بفتح اللام وكسر الجيم ، وأن المراد به ورق الشجر الساقط ، وأن الشاعر شبه بذلك وجه الماء ، ومنهم من ذهب إلى أن المراد بالأصيل الشجر الذي له أصل وعرق ، فالمراد بالذهب الورق الساقط منه على وجه الماء واصفر ببرد الخريف ، ولا يخفى أن كلا الوجهين فاسد ، ويكفى في فسادهما ما يشهد به كل طبع سليم من أن كلا منهما غاية في البرودة المنافية لما اشتمل عليه البيت من الظرافة التي تتبادر لوائحها منه ، والبرودة مع وجود منافيها من أنواع الفساد ، على أن تشبيه وجه الماء بالورق الساقط إن أراد به الورق المصفر فلا يصح ، لانتفاء الجامع المعتبر بينه وبين مطلق وجه الماء وإن أراد به مطلق الورق الساقط فكذلك ، إذ يصير كتشبيهه بمطلق النبات في الاخضرار ، ولو جوزنا مثل هذا لجوزنا تشبيهه بالجبل الأجرع " 1 " ونحو ذلك ، ونحو هذا التشبيه غير معدود في الكلام ، وأما الوجه الثاني فيلزم فيه زيادة على البرودة المفسدة انتفاء كونه من إضافة المشبه به إلى المشبه الذي هو المقصود أن يستشهد له في الإضافتين ، وأيضا إطلاق اللجين على الورق في الوجه الأول ، والأصيل على الشجر في الثاني مما لا يعرف ولا يعهد لغة ولا عرفا ، فلأجل هذا كان فساد هذين الوجهين غنيا عن البيان ، وفي المطول أن كلا منهما أبرد من الآخر وذلك كاف في فسادهما كما ذكرنا .
--> ( 1 ) هو الجبل له جانبان أحدهما رمل والآخر حجارة .