ابن يعقوب المغربي
210
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
المشبه به عند روم التشبيه دائما ، فالتفصيل ، وإن كان يقتضى الغرابة في أصله للاحتياج فيه إلى التأمل يسقط مقتضاه عند قلته بوجودهما فتقرر بهذا أنهما - أي : قرب المسافة والتكرر إذا تعارضا مع التفصيل القليل بأن يوجدا معه في محل واحد سقط مقتضاه ، وأن كون التفصيل من أسباب الغرابة إنما هو عند عدم وجود قرب المناسبة أو التكرر على الحس مع قلته ، وفهم من هذا الكلام أن التفصيل القليل عند انتفاء قرب المناسبة والتكرر العارضين له يكون من أسباب الغرابة وهو ظاهر . التشبيه البعيد الغريب ( وإما بعيد غريب ) تقدم أن القريب المبتذل يقابله البعيد الغريب تقابلا حقيقيا وعليه يكون العطف بالغريب لا للإحراج كما تقدم في وصف القريب بالمبتذل ، فقوله : وإما بعيد معطوف على قوله : إما قريب مبتذل ( وهو ) أي : البعيد الغريب ( بخلافه ) أي : جار على خلاف المبتذل ، فإذا كان المبتذل ما ينتقل فيه من المشبه إلى المشبه به من غير نظر فالغريب هو ما لا ينتقل فيه من المشبه إلى المشبه به إلا بعد فكر ونظر دقيق ، ونعنى بالانتقال إلى المشبه به الانتقال إليه من حيث إنه مشبه به فلا ينافي ذلك أن تحصل الغرابة في تشبيه الملزوم باللازم البين ، حيث يحتاج في استخراج الوجه بينهما إلى دقة نظر وإن كان الانتقال إلى اللازم بسرعة ؛ وذلك لأنه لم ينتقل إليه بتلك السرعة من حيث التشبيه بل من حيث اللزوم ، وذلك كتشبيه الرجل الأعمى عماه بالبصر في كون كل منهما معاقبا للآخر في محل مخصوص هو الحادث القابل لهما عند قصده دفع النقص بما أمكن ، فإن العمى ينتقل منه إلى فهم البصر سريعا ، إذ هو نفى البصر عما من شأنه أن يكون بصيرا ، لكن لا من حيث التشبيه بل من حيث المعنى فقط ، ثم بين علة الحاجة في الغريب إلى التأمل - وإن كانت ظاهرة - ليقع التفصيل فيها بقوله ( لعدم الظهور ) أي : وإنما افتقر إلى التأمل عند إرادة التشبيه فيما يخالف المبتذل لعدم ظهور الوجه فيه بين الطرفين أي : لخفائه ، ومعلوم أن الظاهر في بادئ الرأي لا يفتقر إلى التأمل ، ويكون عدم الظهور للوجه ( إما لكثرة التفصيل فيه ) أي : لكثرة الاعتبارات فيه فإن كثرة الاعتبارات في الشيء تزيد خصوصا ، وكلما كثر التخصيص للشئ قلت أفراده فتقل