ابن يعقوب المغربي

205

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

إحضار أحدهما إلى التأمل والتصفح لما يشبه به الحاضر منهما ؛ إذ لو كان كثير الحضور مخالط المعنى ظهر ما فيه ، والآخر أن يحتاج إلى استعمال الفكر في استخراج ما يصلح للتشبيه من المعاني المخزونة في الخيال ، وبعد استحضار ما يشبه به يكون الوجه ظاهرا كما تقدم في تشبيه إبر الروق بالقلم الذي أصاب المداد ، وقد علم أن الأول أخص من الثاني على حسب الغالب ، فإن مشبه بنى المهلب بالحلقة يحتاج إلى التأمل في إحضار الحلقة المفرغة ، ثم إلى التأمل في استخراج وجه الشبه بينهما بعد حضورهما كما لا يخفى ، فإن قلت الشاعر البليغ أو الكاتب الفصيح تتدفق على لسانه التشبيهات الغريبة ، بل الاستعارة بلا تأمل قلت على تقدير تسليم أن ذلك التدفق لم يسبق بتأمل ، فالمعانى التي أبداها من شأنها الحاجة إلى التأمل ، وذلك يكفى في نفى الابتذال ، ويدل على كونها تحتاج إلى التأمل عدم تسامح الناس فيها ، وأيضا قد يسمع تشبيه فيطلب السامع استخراج الوجه التام فلا يجده إن لم يصرح به إلا بعد إمعان النظر وذلك مشاهد ، فالتأمل موجود في بعض المعاني دون بعض ، فليفهم . فإن قيل فما الفرق حينئذ بين الظاهر والمبتذل ، وبين مقابله الآتي وهو الغريب البعيد وبين الخفي الذي هو المقابل للظاهر ؛ لأنك أدخلت في المبتذل ما يقدر كل أحد على استعماله بسهولة ولو لم يقع كثرة استعماله بالفعل ، فإن كان الظاهر هو المبتذل والبعيد هو الخفي وجب إسقاط أحد البابين ، قلت : لا شك أنه يمكن إدخال أحد البابين في الآخر - كما قلت - لكن حيث ذكر كل منهما على حدة وجب التفريق بينهما ، وذلك بأن يعتبر أن الظاهر أعم من المبتذل ؛ لأن الظاهر هو ما قرب إدراكه لكل أحد عند قصد التشبيه ، أو قرب بعد إحضار الطرفين - ولو كان إحضار أحدهما يحتاج إلى تأمل - وإذا علم الفرق بين الظاهر والمبتذل علم بين مقابليهما تأمله ، ثم علل ظهور الوجه الموجب للابتذال بعلتين فقال : وظهور الوجه ( إما لكونه أمرا جمليا ) نسبة إلى جملة بسكون الميم ، ومعنى كونه جمليا أنه لا تفصيل فيه ، والتفصيل هنا إدراك الخصوصيات ، وإدراك كثرة الاعتبارات ، وإدراك الجملة إدراك العمومات ، وقلة الاعتبارات ، ( فإن الجملة ) أي : إنما قلنا : إن الأمر الجملي أظهر من التفصيلي ؛ لأن