ابن يعقوب المغربي

199

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

هو الجراءة ، ( ومنه ) أي : ومن التشبيه المجمل ( خفى ) أي : ما خفى وجهه ، أو من الوجه الذي لم يذكر وجه خفى على ما تقدم في الظاهر ، حتى لا يدركه إلا الخواص الذين أوتوا ذهنا ارتقوا به عن العامة ، يدركون به الدقائق والأسرار ، ويتوسعون في الموصوفات وأوصافها ، وذلك ( كقول بعضهم ) قيل : هو كعب بن معدان الأشعري سأله الحجاج ، فقال له : كيف تركت جماعة الناس ، فقال له كعب : بخير ، أدركوا ما أملوا ، وأمنوا مما خافوا ، ثم قال له : فكيف بنو المهلب فيهم ، قال : حماة السرح نهارا ، وإذا أليلوا ففرسان البيات ، ومعنى أليلوا دخلوا في الليل ، كأصبحوا دخلوا في الصباح ، ثم قال له : فأيهم كان أنجد ، فقال : ( هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها ) ، وقيل : إنه قول فاطمة بنت خرشب الأنمارية ، لما سئلت عن بنيها أولاد زياد العبسي ، وهم عمارة الوهاب ، وقيس الحفاظ ، وأنس الفوارس ، وربيع الكامل ، أيهم أفضل ، فقالت : عمارة ، ثم قالت : لا ، بل فلان ، ثم قالت : لا ، بل ، فلان ، ثم قالت : لا ، بل فلان ، ثم قالت : ثكلتهم أي : عدمتهم بالموت إن كنت أعلم أيهم أفضل ، هم كالحلقة المفرغة إلى آخره ، ثم أشار إلى الوصف المتضمن لوجه الشبه في الطرفين معا بقوله : ( أي : هم متناسبون في الشرف ) ، بمعنى : أنهم متشاكلون فيه تشاكلا يمنع تعيين بعضهم بالأفضلية وبعضهم بالمفضولية ؛ لاستواء ما يقتضى الشرف فيهم ، ( كما أنها ) أي : الحلقة المفرغة ( متناسبة الأجزاء ) أي : متناسبة القطع المفروضة فيها ( في الصورة ) الشكلية واللصوقية تناسبا يمنع تعيين بعض تلك القطع طرفا ، وبعضها وسطا ، والحلقة المفرغة هي التي أذيب أصلها من فضة ، أو ذهب ، أو نحاس ، أو حديد ، أو نحو ذلك ، ثم أفرغ في القالب ، فيصير فيه كالماء المنحصر ، فإذا جمد لم يظهر في الحلقة الناشئة عنه طرف ، بل تكون مصمتة الجوانب ، أي : لا تفريج فيها ، ولا يلزم من نفى التفريج نفى التربيع والتثليث مثلا ، ولكن المراد ما كان كالدائرة ليتحقق التناسب في أجزائها في الشكل والوضع ، فتصير بذلك ذات إحاطة نهاية واحدة كالدائرة ، وبهذا علم أن ليس المراد بكونها مصمتة كونها لا جوف لها خال ، ثم نفى دراية طرفيها لا يستلزم وجود الطرفين ، بل نفيها لنفيهما ؛ لأن القضية السالبة لا تقتضى وجود الموضوع ؛ وإنما قلنا أشار إلى الوصف