ابن يعقوب المغربي
190
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
في كثير من الأمور بخلاف المعقولات الصرفة ، ومن ثم قيل : إن الفرق بين المقيد والمركب أحوج شيء إلى التأمل ، يعنى في تفسيره والتعبير عنه وفي إدراكه وأخذ حقيقته من كلام البلغاء مع اسم التقييد والتركيب ، وأما إدراك كنهه في نفس الأمر لا بقيد اسم التقييد والتركيب وهو منشأ الصعوبة فهو أحوج شيء إلى الذوق ، وإنما صعب في التعبير لأن التعبير عن الذوقيات أصعب شيء وإدراكها من التعبير كذلك ، ولذلك يقال من وصف له البلوغ قبل الاحتلام لم يفهمه إلا بعده ، وكذلك هو أصعب شيء في الإدراك حيث يدعى التركيب أو التقييد ، ولم يطابق الذوق ذلك المدعى تأمله . الرابع : تشبيه مركب بمفرد ( وإما تشبيه مركب بمفرد ) ، يعنى بمفرد مقيد بدليل المثال وهو معطوف أيضا على ما عطف عليه ما قبله ، يعنى أن التشبيه إما تشبيه مفرد بمفرد ، وقد تقدمت أقسامه ، وإما تشبيه مركب بمركب ، وإما تشبيه مفرد بمركب ، وإما تشبيه مركب بمفرد مقيد كقوله : ( يا صاحبي تقصيا نظريكما ) " 1 " أي : ابلغا أقصى نظريكما بالمبالغة في تحديق النظر ، يقال تقصيته بلغت أقصاه ، وإذا تقصيتما نظريكما واجتهدتما فيه ولم تقصرا فيه فانظرا ما قابلكما من الأرض بأن تلاحظا ملاحظة لا تقتضى المطالعة على مخبر الشيء فكأنما ( تريا وجوه الأرض ) أي : الأماكن البادية منها كالوجه ( كيف تصور ) أي : تريا كيف تبدو صورتها ، أي : تريا كيفية صورتها بثبوت الإشراق لها كما دل عليه ما بعد ، فقوله : " كيف تصور " بدل من وجوه مضارع سقطت منه تاء المضارعة ، يقال : صوره اللّه فتصور ، أي : فقبل التصوير ، وبدت صورته في الوجود ، ( تريا نهارا ) أي : تريا ضوء نهار وإلا فالنهار لا يرى من حيث إنه زمان ( مشمسا ) أي : ذا شمس لم تستر بغيم ، ولهذا وصف النهار بكونه مشمسا وأراد بالشمس ضوءها الظاهر ( قد شابه ) أي : خالط ذلك النهار ، أي : ضوءه ( زهر ) أي : لون زهر ( الربا ) جمع ربوة وهي المكان المرتفع ، وأراد بالزهر النبات مطلقا ، وأطلق عليه الزهر ؛ لأنه أحسن ما فيه مجازا ( فكأنما هو ) أي : النهار بمعنى الضوء المشوب بلون النبات ( مقمر ) أي : ليل ذو قمر ، أي : ذو ضوء
--> ( 1 ) البيتان لأبى تمام من قصيدة يمدح فيها المعتصم ، ديوانه ( 2 / 194 ) ، والإشارات ص ( 183 ) .