ابن يعقوب المغربي
183
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
فيه أو فرسا سرى عليه فانتهى به الحديث إلى وصف ما تعلق بكل منهما فيجعل غرة الثاني كالصبح أو صبح الأول كالغرة في مجرد ظهور إشراق في ذي سواد من غير قصد قوة ولا ضعف لغرض من الأغراض كإظهار الواقع في نفسه وإظهار قوة العارضة على إيراد التشبيه ، فإنه مما يتفاوت فيه البلغاء فيقول إذا انتهى في وصف الليل إلى الفجر وكأنه غرة فرس ، وفيما إذا كان وصفه في الفرس حتى انتهى إلى غرته وكأنه ضياء الفجر ، وإلى هذا أشار بقوله : ( كتشبيه غرة الفرس بالصبح ) يعنى فيما إذا اقتضى الحال تقديمها ، وجعلها مشبهة لكون الكلام انجر إليها أو للاهتمام بها ، ( و ) ك ( عكسه ) يعنى تشبيه الصبح بالغرة لمثل ما ذكر من الاهتمام أو كون الكلام انتهى إليه ، وإنما يكون تشبيه أحد هذين بالآخر من هذا القبيل أعنى من التشبيه الذي لا يقصد فيه إلحاق الناقص بالكامل ( متى ) أي : حيث ( أريد ) أن وجه الشبه ( ظهور منير في مظلم أكثر منه ) في كل من الطرفين ، ولا شك أنهما استويا في هذا المعنى ، وأما لو أريد إظهار قوته في المشبه بإلحاقه بما هو أقوى حقيقة فيما إذا كانت الغرة مشبهة أو ادعاء في العكس كان من التشبيه السابق ، ولهذا قال : " متى أريد ظهور منير في مظلم أكثر " إشارة إلى أنه لو قصد إلحاق ناقص بكامل في الوجه حقيقة هنا لزم جعل الغرة مشبها والصبح مشبها به ، فيقتضى ذلك وصف غرة الفرس بالضياء والانبساط ، أي : اتساعها وفرط تألقها ، أي : لمعانها كما في الصبح ؛ لأنه في هذا المعنى أقوى ، يعنى ولو قصد المبالغة في الادعاء عكس التشبيه كما قررنا فإن قيل التشبيه فيما ذكر لرعاية الاهتمام والمناسبة ينافي الجواز ؛ لأنه يقتضى الوجوب ويناقض أحسنية العدول إلى التشابه ، قلت : المراد بالجواز هنا نفى الامتناع الصادق بالوجوب ، ولا ينافي الأحسنية ، لأنها أيضا للوجوب لأن الأحسن في باب البلاغة للوجوب ، وعلى هذا فما تقدم من دلالة الأحسنية على الجواز في مقابله لا يخلو من تسامح ، وقد يقال : يحتمل أن يبقى الكلام على ظاهره فيكون العدول إلى التشابه هو الأولى مطلقا ، والغرض المذكور مجوز لا موجب ، وذلك لأن السبب في الشيء لا يقتضى الوجوب دائما لصحة أن يكون للأرجحية أو للجواز ، وهو هنا للجواز ، وفيه ضعف لمنافاة ذلك لما تقرر في علم البلاغة من أن رعاية مقتضى