ابن يعقوب المغربي

178

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

ذلك من الضياء والظلمة المخلوطة به ، وذلك قبل الإسفار ، فعلى الأول تكون الإضافة في قوله : ( كأن غرته ) إضافة البيان ، أي : كأن الغرة التي هي الصباح ، وذلك أن الغرة في الأصل هي بياض في وجه الفرس فوق الدرهم ، واستعيرت للإشراق في ذلك الوقت ، فإذا أريد بالصباح الإسفار فهو كله بياض فيكون المراد بالغرة نفس الصباح ، وعلى الثاني تكون الإضافة على أصلها لإحاطة الظلمة في ذلك الوقت بإشراق هو كالغرة بالنسبة لذلك الإظلام ، والخطب في مثل هذا سهل ، وإنما تنزلنا له على عادتنا في قصد بيان ما قد يتعلق ببيانه غرض الناظر فيه ( وجه الخليفة حين يمتدح ) هذا هو المشبه بالأصالة ضرورة أن إشراق الصباح أقوى ضياء وأظهر من إشراق وجه الخليفة ، لكن عكس التشبيه فجعله مشبها به ليوهم أن هذا المشبه به لفظا وهو وجه الخليفة أقوى من المشبه لفظا وهو الصباح ، أو غرته على قاعدة ما يفيده التشبيه بالأصالة من أن المشبه به أقوى من المشبه في الوجه ؛ إذ قد اشتهر أن المشبه لا يقوى قوة المشبه به ، وقد عرفت أن هذه القوة أن حملت على كون الوجه أتم في المشبه به على ما قررنا لم تطرد ، وإنما تلزم في غرض التقرير كما تقدم ، وإن حملت على كونه أقوى في المعلومية اطردت في غالب الأغراض أو في كلها على ما نبينه بعد ، وإذا أريد كما قررنا بالمشبه به ما كان كذلك لفظا ، وإن كان مشبها في المعنى صح قوله قد يعود الغرض إلى المشبه به فلا يقال الغرض هنا عائد إلى المشبه في المعنى في التشبيه المقلوب ، وذلك لما قلنا من أنا نريد بالمشبه به ما كان كذلك لفظا ، والغرض هنا تقرير إشراق وجه الممدوح في الذهن حتى لا يتوهم فيه نقصان زيادة في مدحه ، فناسب هذا القلب الذي هو آكد تقريرا لإيهامه أنه أقوى من الصباح ، ولو شبه وجهه بالصباح أفاد الغرض ، لكن العكس أقوى ، وقيد إشراق وجه الممدوح على وجه يقتضى أكمليته على الصباح بحين الامتداح ليدل على معرفة حق المادح وعلى كرم الممدوح ؛ وذلك لأن من المعلوم أن إشراق الوجه حال الامتداح يدل على شيئين أحدهما قبول المدح ، وذلك يستلزم معرفة حق صاحبه لمقابلته بالسرور التام الواضح ، وإلا كان مقتضى الحال مقابلته بالعبوس والإعضاء ، ولو بأن يستر حملا إن كان الممدوح كريما ، والآخر كون الممدوح طبعه الكرم ؛ لأن الكريم هو