ابن يعقوب المغربي
156
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
لقائه اعتذر له بموجب إياسه كحال قوم عطاش أبرقت لهم غمامة فلما رأوها أقشعت في أن كلا من الحالتين اتصل فيها ابتداء مطمع بانتهاء مؤيس كان الطرفان مركبين كالوجه لعدم صحة الاقتصار على البعض من كل وعدم تمام المعنى إلا بالمجموع . وإذا قلت : زيد كالأسد في الشجاعة والبحر في الكرم والسيف في القطع ، كان من التعدد في الكل ، وكان من التشبيهات المجتمعة لا تشبيه واحد في المركب لصحة الاقتصار على كل واحد واستقلاله مع تمام المعنى ، ولصحة التقديم والتأخير بلا تبدل المعنى ؛ فالأول من تشبيه المجموع بالمجموع في مجموع ، والثاني من مجموع تشبيهات في أوجه مجموعة ، والفرق بين مفاد العبارتين واضح ، وقد أطنبت في هذا الموضوع قصدا لإفادة الإيضاح ، فليفهم . ولما فرغ من أمثلة المركب ، وقد تبين الفرق بينه وبين المتعدد ، شرع في أمثلة المتعدد ، وقد تقدم أنه إما حسى كله أو عقلي كله أو بعضه حسى وبعضه عقلي ، فقال : ( و ) الوجه ( المتعدد الحسى ) كله ( كاللون والطعم والرائحة في تشبيه فاكهة بأخرى ) ، ولا شك أن هذه الثلاثة إنما تدرك بالحواس المعلومة الثلاثة ، فاللون بالبصر ، والطعم بالذوق ، والرائحة بالشم ، وذلك كتشبيه التفاح الحامض بالسفرجل ، ( و ) الوجه المتعدد ( العقلي ) كله ( كحدة النظر ) الموجب لكونه يدرك به الخفيات ، ( وكمال الحذر ) الموجب لكونه لا يؤخذ عن غرة ، ( وإخفاء السفاد ) أي : إخفاء الذكر نزوه على الأنثى بحيث لا يرى في تلك الحالة ، ولا شك أن حدة النظر وصف عقلي للنظر ؛ إذ النظر في نفسه عقلي ؛ إذ لا يرى ، وكمال الحذر عقلي ؛ إذ الحذر في نفسه عقلي أيضا ، وإنما تظهر آثاره وإخفاء السفاد لا يخفى كونه عقليا ، وذلك ( في تشبيه طائر بالغراب ) ، وإنما قال : " طائر " ؛ لأن الإنسان أخفى منه سفادا ، كذا قيل ، وفيه بعد لأن الإنسان قد يرى في تلك الحالة والغراب ، قيل : إنه لم ير عليها قط حتى قيل إنه لا سفاد له معتاد ، وإنما له إدخال منقره في منقر الأنثى ، وأما حدة نظر الغراب فإنه يرى تحرك أي طرف من الإنسان ولو كان بغاية السرعة وذلك من كمال حذره حتى إن مما اشتهر في كمال حذر الغراب ، ما يقال من أنه أوصى ابنه فقال له : إذا رأيت إنسانا أهوى إلى الأرض