ابن يعقوب المغربي

110

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

جعل كل منهما أصلا أو عكس في التأصيل والتفريع صح ، ومرجع ذلك إلى الاستعمال القديم والحادث فإن لم يثبت فالأقرب أن كلا منهما أصل وقد يوجه ما ذكر على تقدير عدم تحقق للسابقية بأن الأصل أي : الكثير الجهل والظلمة والخطب في مثل هذه الاعتبارات سهل بعد تقرر تشبيه السنة ، والعلم بالنور ، والبدعة والجهل بالظلمة ، ( وشاع ذلك ) التشبيه على ألسنة الناس أي : كثر تداوله فيما بينهم ( حتى تخيل ) أي : إلى أن تخيل الوهم على قاعدته من إثبات الأحكام على خلاف ما هي بكثرة التقارن والمجاورة ( أن الثاني ) أي : المذكور في كلام المصنف ثانيا ، وهو السنة وكل ما هو علم ( مما له بياض وإشراق ) لكثرة تقارنه في التشبيه بالنور الحسى ، فتوهم ثبوت وصف المقارن الذي هو النور لذلك الثاني الذي هو السنة والعلم ، فإذا كان الوهم يثبت أحكاما غير متحققة بدون اقتران كثيرا بل مجرد خطور شيء مع غيره يكفيه إثبات أحكام أحدهما للآخر ، فإثباتها مع كثرة المقارنة أحرى ، وهذا الحكم الوهمي يصح البناء عليه والخطاب به لغة وشرعا لظهور المراد ، ويصح أن يكون الاستعمال فيما يمثل به لما فيه من التجوز البليغ ( نحو ) قوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - : ( أتيتكم بالحنيفية ) " 1 " أي : بالطريقة الحنيفية ، وهي دين الإسلام ، والحنيفية نسبة للحنيف ، والحنيف هو المائل عن كل دين سوى دين الحق ، وعنى به إبراهيم - صلّى اللّه عليه وسلّم - ( البيضاء ) ولا شك أن وصف الطريقة الدينية بالبياض ليس على طريق التحقيق الحسى ، بل لاقترانها بما له بياض في التشبيه أعطى حكمه وهما ؛ فصح أن يجعل البياض وجه الشبه بينها وبين ما له البياض الحسى لاتصافها به وهما . ( و ) تخيل ( أن الأول ) في كلام المصنف وهو البدعة وكل ما هو جهل كائن ( على خلاف ذلك ) الثاني بأن يكون هذا الأول مما له سواد وإظلام بالطريق المذكور ، فصح وصفه به لذلك الحكم الوهمي أو لقصد المبالغة في التشابه ؛ ولذلك يقع في الكلام ( كقولك : شاهدت سواد الكفر من جبين فلان ) مع أن الكفر لا سواد له حقيقة ، بل تخيلا ، والجبين ما بين العين والأذن إلى جهة الرأس ، ولكل

--> ( 1 ) الحديث أخرجه أحمد بنحوه في المسند ( 5 / 266 ) ، وفيه " إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ، ولكنني بعثت بالحنيفية السمحة " وأورده الألبانى بنحوه في الصحيحة ح ( 1782 ) .