ابن يعقوب المغربي

105

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

قولنا كاللذة الحاصلة للنفس وجه كونها باطنية ، ولو كانت أسبابها حسية فالذوق مثلا إنما يدرك به حلاوة الحلو ، وليست الحلاوة نفس اللذة ، بل هي معنى حصل عن إدراك الحلاوة في قوة باطنية نفسانية ، وقد تكون اللذة وهمية كما يوجد من استطابة صورة المرجو عند توهم الاتصاف به ، وعلى هذا لا يقال : الحسية كسائر المحسوسات ، فما معنى كونها وجدانية باطنية ؛ لأنا نقول معناها قائم بالنفس ، ولو كان سببه الحس ، وأيضا حيث فسرت اللذة والألم بالإدراك فليسا مما يدرك بالحواس ، ثم وجود القوى الباطنية إنما هو عند الحكماء ، وأما المتكلمون من أهل السنة فالنفس هي المدركة بالقوة الواحدة ، وهي العقل إما بواسطة حس ظاهري أو باطني ناشئ عن ظاهري أو لا ، ويسمى وجدانا ، أو بدون واسطة أصلا وليس ثم قوة زائدة على الإحساس ، فالغضب مثلا عندهم معنى قائم بالإنسان يوجب إرادة الانتقام لولا المانع يدركه الإنسان من نفسه بالعقل بعد الإحساس الباطني ، ولا يفتقر فيه إلى قوة أخرى ، وهكذا سائر الوجدانيات ، ويمكن حمل القوى في كلام الحكماء على الإحساس الباطني ، أعنى اتصاف محل تلك المعاني بها ، فيتفق المذهبان ، وتفسير اللذة بما ذكر تبعا لهم لا يوجب كون ذلك معناها الحقيقي ، وكذا الألم فإن إذا راجعنا وجداننا كدنا أن نجزم بأن اللذة لازمة لذلك الإدراك وذلك النيل ، وهي معنى آخر يوجد بالضرورة عند ذلك النيل وذلك الإدراك ، ويعسر التعبير عن كنهه ، فإدراكه ضروري عند الوجدان ، وتحقيق كنهه يمكن ادعاء صعوبته ، وكذا الألم ، وهذا في لذة المذوق مثلا ظاهر إذا أريد إدراك النفس طيب الملتذ به أو قبح ضده ، وأما إذا أريد نفس المدرك عند اتصال الذائقة به وكثيرا ما تطلق اللذة على ذلك فيقال : وجد لذة المأكول اللسان والتذ به لساني أو تألم بكذا لساني ، فالأقرب أنها حينئذ حسية محضة لا وجدانية لعود معناها حينئذ إلى نفس الحلاوة أو المرارة ، بل إن بنينا على أن القوى الباطنية المسماة بالوجدان لا تدرك إلا المحسوس بواسطة تكيفها بما أدرك الحس ، وإلا الأمور القائمة بها نقول : اللذة ليست من هذا المعنى لعدم إدراكها بالحواس وعدم قيامها بتلك القوى إلا أن يراد بالوجدان ما يتعلق بالنفس مطلقا ، وهو ظاهر ما تقدم ، تأمل .