ابن يعقوب المغربي

97

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

تعرض للنفس الضروري ، وأما نعمة العدل فلأن المخالطة الموقوف عليها بقاء النوع الإنسانى عادة تؤدى عند قصد التوصل إلى ما يفتقر إليه كل إلى التخالف في الشهوات ، فيدافع كل صاحبه عما يشته لنفسه فيظلم القوى الضعيف ، ويدفع الصالح عما ينبغي له كل سخيف ، فاحتيج إلى العدل الرافع للظلم ، والعدل لا يتم إلا بقضايا كليات تحيط بجميع الجزئيات ضرورة أن ما يتعلق بجزئية قد لا يتعدى إلى أخرى ، وتلك القوانين هي من جزئيات الشرع فأشار إلى النعمة الأولى عاطفا لها لمزيد اهتمام كما ذكرنا فقال ( وعلم من البيان ما لم نعلم ) أي : نحمده تعالى على تعليمه لنا ما لم نعلم من البيان ، فمن البيان بيان لما قدم عليه لرعاية السجع وزاد ما لم نعلم مع كون التعليم يستلزمه لهذه الرعاية ، ولزيادة التأكيد لما فيه من الإشارة إلى كمال النعمة حيث علمنا ما لسنا أهلا لعلمه بسهولة ، والبيان هو : المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير كما تقدم ، وفيه الإيماء إلى أن هذا العلم المقصود مما يتعلق بالبيان ، وهو براعة الاستهلال ثم أشار إلى الحمد على النعمة الثانية بالدعاء لمن ظهرت على يديده ؛ لأن العدل لا يستقيم على يد كل أحد إذ لا ينفذ في كل فرد حتى يكون بحيث يكون خصوصية لملزمه بها يقبل منه ، ولا يكون له خصوصية حتى يعلم أنه خص به مظهره من عند خالق الكل ، ولا يظهر ذلك إلا بظهور الرسالة المدلول عليها بالمعجزات المتضمنة للشرائع الجامعة للعدل وقوانينه ، فأومأ إلى ما ذكر بالدعاء لصاحب المعجزات كما ذكرنا فقال ( والصلاة ) وهي من اللّه تعالى لرسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - زيادة تشريف وترفيع ، ومن الخلق طلب ذلك ( والسّلام ) وهو الأمان من كل خوف ، والسلامة من كل أذى أو كلام التحية والتكريم ( على سيدنا ) أي ملتجئنا في المهمات وفي دفع الملمات ( محمد ) اسمه - صلّى اللّه عليه وسلّم - الدال على كثرة محامده ( خير من نطق بالصواب ) أي أعلى من تكلم بالصواب ، وهو ضد الخطأ ؛ لأنه - صلّى اللّه عليه وسلّم - لا ينطق على الهوى ، وهو نعت لمحمد ثم عطف عليه قوله ( وأفضل من أوتى ) أي : أعطى ( الحكمة ) وهي حقائق العلوم والألفاظ الدالة على تلك الحقائق ، ويطلق كثيرا على علم الشرائع ، ولم يذكر فاعل الإيتاء لتعينه للعلم بأنه ليس إلا اللّه تعالى .