ابن يعقوب المغربي
88
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
يمنعه حسدهم مع صبره على نسبتهم ماله لأنفسهم يعنى فلا يكون ذلك حاملا على التأليف ، وفي الكلام تعيير الآخذين وتقبيح لشأنهم بالنسبة إلى أنفسهم ، ولو كان بالنسبة إلى المأخوذ منه رفعة له ( ثم ما زادتهم مدافعتى ) بترك إجابتهم ( إلا شغفا ) أي حبا شديدا ( وغراما ) أي : ولوعا بالمطلوب ( وظمأ ) أي عطشا بمعنى رغبة في مطلوبهم ( في هواجر الطلب ) شبه الطلب بزمن به هواجر جمع هاجرة ، وهي وقت اشتداد الحر بجامع كون كل منهما مظنة للاشتمال على ما يطلب دفعه ، فأضمر التشبيه استعارة بالكناية ، وذكر الهواجر تخييلا ( وأواما ) بضم الهمزة ، وهو العطش ( ف ) لما رأيت ازدياد شغفهم رحمتهم ف ( انتصبت ) أي : قمت وانتدبت ( لشرح الكتاب ) شرحا كائنا ( على وفق مقترحهم ) بأن يكون على الحالة التي يطلبون من الاختصار والاقتراح طلب من غير روية ، وهو مما يدل على كمال الرغبة ( ثانيا ) نعت للشرح المقدر بعد نعته بالمجرور ، أي : شرحا ثانيا ، ويحتمل أن يكون ظرفا أي : شرحا كائنا في زمن ثان باعتبار الأول ، ويحتمل على بعد أن يكون حالا من ضمير انتصبت ويكون بمعنى جاعلا الشرح ثانيا ، وفيه تجوز في تعديته ثانيا إلى الشرح بتضمينه للفعل المتعدى جاعلا ، وإنما قلنا ذلك ؛ لأنه إنما يقال : ثنيته صرت له ثانيا لا جعلت له شيئا آخر ثانيا ، وعلى هذا الاحتمال المستبعد يكون لفظ ثانيا في قوله ( ولعنان العناية نحو اختصاره ثانيا ) معطوفا على ثانيا الأول ؛ لأنهما حالان معا حينئذ ، وعلى الاحتمالين الأولين يجب إسقاط الواو لعدم ظهور ما يعطف عليه ، وقوله لعنان متعلق بثانيا الثاني ، وهو من ثنيت الفرس بالعنان صرفته به ، وقد شبه العناية التي هي شدة الاهتمام بالشيء في التوصل إلى المرغوب بالفرس كناية فذكر صرف العنان تخييلا ، ونحو الاختصار جهته ، وأراد بالجهة اشتغاله به ثم شكا مما صاحب هذا الانتصاب مما ينافي حصول المراد فقال : ( مع جمود القريحة ) أي : الطبيعة العقلية ، وجمودها عدم انبساطها في المدارك ، وهو مستعار من جمود الماء في قلة الانتفاع إلا بعد التكلف ، وأصل القريحة أول ما يستنبط من البئر ، ثم استعير لأول مستنبط من العلم لملابسة كل منهما الحياة ؛ لأن العلم سبب حياة الروح ، والماء سبب