ابن يعقوب المغربي

86

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

مستحسن أي تركت ذلك لما علمت من أن ما يستحسنه الناس جميعا أمر ( لا يسعه ) أي : لا يقوم به ( مقدور البشر ) أي : لا يتناوله مقدور المخلوق ( وإنما هو ) أي : مستحسن جميع الناس ( شأن خالق القوى والقدر ) ولا يلزم من هذا القول بتأثير القدرة الحادثة كما يقول به من هذه عبارته في الأصل ، وهو الزمخشري لجواز التعبير بذلك عند السنى عن الاستطاعة ( و ) منعني أيضا عن مساعدتهم علمي ب ( أن هذا الفن قد نضب ) أي : غار " 1 " ( اليوم ماؤه ) ونضوب مائه عبارة عن ذهاب فائدته ، شبه حال الفن في انقطاع نتائجه بأصل يابس لنضوب مائه فأضمر التشبيه في النفس استعارة بالكناية ، وذكر نضوب الماء تخييل ( فصار ) عند متعاطيه ( جدالا ) أي : اختلافا ولغطا ( بلا أثر ) أي : بلا فائدة لعدم وقوف متعاطيه على حقائق أسراره فيتمشدقون بظواهره ( وذهب رواؤه ) . بضم الراء : حسن منظره أو بفتحها بمعنى عذبه ، وهو عبارة عن ذهاب حقائقه ( فعاد ) أي ذلك الفن ( خلافا ) أي : إنكارا أو احتجاجا ( بلا ثمر ) أي : بلا فائدة ، وفيه لطف تشبيه الكلام فيه بشجر الخلاف ، وهي لا ثمر لها وهي المسماة بالصفصاف ( حتى طارت ) أي انته به الأمر في الاضمحلال إلى أن طارت ( بقية آثار ) أي : أبحاث ( السلف ) من العلماء ( أدراج الرياح ) أي : اضمحلت فلم يبق منها فائدة ، والأدراج : جمع درج وهو الطريق ، وهو منصوب على أنه مفعول مطلق ، أو ظرف أي : في طريق الرياح أو طيران طريق الرياح وأراد بطريق الرياح حالها ، وهو سرعة ذهابه بما طارت به ، ومن لازم ذلك تلفه وعدم وجدانه ، وهو المعبر عنه هنا مجازا مرسلا ، وكثيرا ما يعبر بأدراج الرياح عن عدم وجدان فائدة الشيء بهذا الوجه ، ومنه قولهم : " ذهب دمه أدراج الرياح " أي : ذهب هدرا ولم يترتب على دمه فائدة الأخذ بالثأر ولا غيرها ( و ) حتى ( سالت بأعناق مطايا تلك الأحاديث البطاح ) وهذه عبارة أيضا عن اضمحلال بقية السلف ويتوجه في هذه العبارة أن يكون شبه الأحاديث في تلك الأبحاث بقوم مسرعين السير حتى غابوا في عدم الوجدان ، والغيبة بعد الحضور بسرعة فأضمر التشبيه في النفس كناية ، وذكر المطايا والبطاح والأعناق تخييل ، ويحتمل أن يكون الكلام تمثيلا وأنه شبه

--> ( 1 ) يقال : غار الماء أي : سفل في الأرض .