ابن يعقوب المغربي

688

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

( وننكر إن شئنا على الناس قولهم ) " 1 " ، ولو لم يظهر موجب لإنكاره لنفاذ حكمنا فيهم وتمام رياستنا عليهم ، ( و ) الناس ( لا ينكرون القول ) أي : قولنا ( حين نقول ) ولو ظهر فيه ما لا يريدون ولا يوافق أهواءهم ، وحاصله أن رياستنا وعزتنا على الناس أوجبت أن ننكر قول من شئنا على أي وجه قاله بأن نتجاسر عليه ، فنرد قوله بحيث لا ينفذ له ، ولا يتجاسر أحد على قولنا ، ولا يقدر على إنكاره ورده علينا ، فمعنى البيت يشبه أن يكون معنى الآية ، ومع ذلك اختلف اللفظ اختلافا بعيدا ، وتفاوت تفاوتا بينا ، فكانت الآية إيجازا بالنسبة إلى البيت ؛ وإنما قال يقرب ، ولم يقل منه ؛ لعدم تساوى الآية ، وقول الحماسى في تمام أصل المعنى ؛ لأن الآية نصت على جميع الأفعال ، والبيت إنما فيه الأقوال ، ولو لزم من عدم القدرة على إنكار الأقوال عدم القدرة على إنكار الأفعال ، لكن النص في الشيء أبلغ على أنا نقول لا يلزم من عدم إنكار الأقوال عدم إنكار الأفعال ؛ لأن الأفعال أشد ، فقد يترخص في ترك إنكار الأقوال دونها ، ولا يقال والآية ليس فيها إلا الأفعال ، لأنا نقول تقدم شمول الأفعال للأقوال ؛ لأن الأقوال المدركة من جانب الحق أفعال ؛ لأنها عبارة عن تعلق القدرة بإظهار مدلول الكلام الأزلي ، كما تقدم ، فتشمل الأقوال وأيضا الموجود في الآية نفى السؤال ، وفي البيت نفى الإنكار ونفى السؤال أبلغ ؛ لأنه إذا كان لا ينكر . ولو بلفظ السؤال ، فكيف ينكر جهارا بخلاف نفى الإنكار فقد يكون هو المستعظم المتروك دون الإنكار بسورة السؤال ، ومع ذلك ما في الآية صدق وحق وما في البيت دعوى وخرق ، فقد تبين أن معنى الآية أخف وأعم وأعلى ، وكيف لا يكون كذلك واللّه عز وجل أعلم ، فكلامه بمقتضيات الأحوال أخص وأولى . وقد تم الفن الأول وهو علم المعاني ، وللّه الحمد على التوفيق والتيسير والتسديد وهو المسؤول بفضله المسدد أن يعين ويسدد لتمام الفنين الباقيين على أكمل وجه بجوده وكرمه وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما .

--> ( 1 ) البيت للسموأل اليهودي من قصيدة مطلعها : إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه * فكل رداء يرتديه جميل . وأورده محمد بن علي الجرجاني في الإشارات ص ( 260 ) .