ابن يعقوب المغربي

671

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

( فسقى ديارك غير مفسدها * صوب الغمام وديمة تهمى ) " 1 " فقوله : صوب الغمام أي : نزول المطر ، فاعل سقى وقوله : غير مفسدها حال منه مقدمة على صاحبها ولما كان نزول المطر قد يؤدى إلى الفساد بدوامه ، كما يومى لذلك قوله : ديمة لأنها هي المطر الدائم زاد قوله غير مفسدها دفعا لذلك ، وقوله تهمى بمعنى تسيل ، ثم هذا إنما هو إذا أريد بالصوت النزول وأما إذا أريد به أن يكون على قدر النفع كما قيل ، كان الكلام من التتميم ، وسيأتي إذ لا إيهام ولكن هذا خلاف المعلوم المشهور في الصوب ، ورد على هذا الكلام أيضا أن الدعاء بالسقي وقرينة المدح ، تدل على أن المراد ما لا يضر فلا يوهم خلاف المقصود ، ورد بأن الكلام يستحسن فيه الاحتراس في الجملة ولو بالنظر إلى أصله نظرا إلى عدم التعويل على القرائن ، فيناسب الإتيان بما يدفع ما قد يتوهم لا سيما وذكر الديمة والديار يؤيد الإيهام لأن السقي النافع هو ما يكون للزرع ، والخطب في مثل هذا سهل ؛ لأن ذلك يعتبر فيه ما يعرض في الحال ولذلك إذا اعتبر المراد في مثله لم يؤت بالاحتراس كما في قوله : ولا زال منهلا بجرعائك القطر . ثم مثل لما فيه دفعه وهو في غير وسط فقال عاطفا على قوله . ( ونحو ) قوله تعالى في مدح فريق من المؤمنين ، وهم قوم أبى موسى الأشعري - كما ورد في الحديث " 2 " : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) " 3 " فإن الوصف بالذل للمؤمنين ، ولو كان القصد به المدح بما يدل على موالاة المؤمنين ومعاملتهم بما يرضيهم لكن ربما يتوهم نظرا إلى ظاهر لفظ الذل من غير مراعاة قرينة المدح أن ذلك لضعفهم وانتفاء قوتهم ، فدفع ذلك التوهم بقوله ( أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ) فأفاد لهم القوة والعزة وذلك يستلزم أن ذلهم للمؤمنين ، لتواضع منهم

--> ( 1 ) البيت للطرفة في ديوانه ص ( 146 ) ، والمصباح ص ( 210 ) ، ومعاهد التنصيص ( 1 / 362 ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( همى ) . ( 2 ) هذا سهو من الناسخ ، أو الشارح - رحمه اللّه - ، والصواب : الآية ، وقد يكون هنا حذف فيكون التقدير : الحديث القرآني عن هؤلاء القوم . ( 3 ) المائدة : 54 .