ابن يعقوب المغربي

660

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

أعلى وفي الثاني يهان زيد ثم يهان عمرو ، تعنى بما هو أدنى فقد استعملت ثم في مجرد التدرج في درج الارتقاء والانحطاط ومنه الحديث ( من أولى الناس بالبر يا رسول اللّه ؟ فقال : أمك ، فقيل : ثم ما ذا ؟ قال : أمك فقيل : ثم ما ذا ؟ قال : أبوك ) " 1 " لأن المراد أن مرتبة البر بالأب أدنى من مرتبة البر بالأم ، لا أنه بعده في الزمان كما لا يخفى وإذا كان كذلك فدخولها على الجملة المذكورة ، يؤذن بأن مضمونها أعلى عند المتكلم ، فلذلك دلت الآية على أبلغية الإنذار المضمون للجملة الثانية ؛ لأن الأبلغية علو في المرتبة في قصد المتكلم ووجه الشبه بين البعدين التفاوت بين مشتركين في أمر خاص في الجملة ، وهو ظاهر ومن نكت التكرار زيادة تأكيد ما تنتفى به التهمة في النصح ، كقوله تعالى - حكاية عن صاحب قوم فرعون : يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ * يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ " 2 " فتكرار يا قوم لما كانت فيه إضافة لياء النفس أفاد بعد القائل عن التهمة في النصح ، حيث كانوا قومه وهو منهم ، فلا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه فتضمن تكراره تأكيدا لنفى التهمة . ومن نكته أن يكون معنى متعلق الفعل المكرر مختلفا ، واللفظ الدال على ذلك المتعلق واحد ؛ لأن في تكراره إفادة التنبيه على كل معنى بخصوصه والمقام يقتضيه كقوله تعالى : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " 3 " فإنه كرر ذلك إثر ذكر النعم في السورة ، والنعم المذكورة مختلفة ، والمقام يقتضى التنبيه على كل نعمة ، ليقام بشكرها بخصوصها وأما ذكره بعد ذكر جهنم ، وإرسال الشوظ من النار فبالنظر إلى أنهما إنما ذكرا للزجر عن المعصية ، فعادا نعمة من حيث الانزجار بهما ، ولذلك عقبا بقوله تعالى فبأي آلاء ربكما تكذبان كسائر النعم .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ومسلم . ( 2 ) غافر : 38 - 39 . ( 3 ) الرحمن : 13 .