ابن يعقوب المغربي

577

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

يصيران متحدين إن كان المجرد مشتركا ، أما إن انتزع من هذا كل ومن هذا آخر لم يرتفع التعدد كأن ينتزع من هذا إنسان فاجر ومن هذا عكسه ، ولكن لا يصيران حينئذ مثلين في ذلك المنتزع ، والكلام عند تماثلهما فيه وبه علم أنه ليس كلما انتزع كلى ارتفع التعدد . وقد علم مما قررنا أن المثلية فيما بين المختلفين في المشخصات والاتحاد فيما بين لفظين اتحد مدلولهما وأشار بقوله لأن العقل بتجريده إلى آخره إلى أن العقل شأنه إدراك الكليات ، وإنما يتحقق كون المعنى كليا بتجريده عن المشخصات الخارجية ، وذلك لأن العقل على زعم الحكماء مجرد عن المادة أعنى العناصر الأربعة ولواحقها فلا يرتسم فيه إلا الكلى المجرد عن الأمور الخارجية أو الجزئي المجرد كما تقدم ، فهو بذاته لا يدرك الجزئي الجسماني ؛ لأنه معروض لعوارض تنافى التجريد ، فلا تناسب العقل المجرد بخلاف الكلى أو الجزئي المجرد وإنما يدرك الجزئي الجسماني ، بواسطة آلة الحس أو الوهم وإنما قلنا بالآلة لأنه يحكم على الجزئيات بالكليات ، والحكم فرع التصور وعند المليين أن العقل يدرك كل شيء بواسطة أو بغيرها لأنا لو تنزلنا للتجريد والانطباع امتنع إدراك العقل ما فيه انطباع مطلقا أي بالآلة وبغيرها ؛ لأنه لا يدرك حتى يرتسم في المدرك ، ولو بعد الآلة . وقيد المشخصات بالخارجية لأن الذهنية كفصول الماهية التي بها يتحقق التمايز بين الكليات ، وبها تتخصص ذهنا لا يمكن التجريد عنها ومثال التماثل في الموضوع تقدم ، وفي المحمول قولك : زيد كاتب وعمرو كاتب فإن كتابة زيد وكتابة عمرو ولو اختلفتا بالشخص حقيقتهما واحدة ، فإذا جردتا عن الإضافة المشخصة صارتا شيئا واحدا ، ثم إن هنا بحثا ، وهو أن هذا الكلام يقتضى أن كل شيئين بينهما تماثل بأن تكون حقيقتهما النوعية واحدة تحقق الجامع بينهما بذلك التماثل ، فعلى هذا يتحقق الجامع بين زيد وعمرو مثلا بالحقيقة النوعية ، ولو لم يكن بينهما صداقة ولا عداوة ، ولا غيرهما وقد تقدم ما يخالفه فقد نصوا على أنه لا بد من مناسبة زائدة كما تقدم . وقد يجاب بأن المراد هنا بالحقيقة النوعية ، ما هو أخص منها في اصطلاح الحكماء وذلك بأن يتحدا في الحقيقة بشرط إدخال وصف زائد فيهما ، فمعنى تماثل زيد وعمرو في الحقيقة كون كل منهما إنسانا صديقا لآخر ، أو عدوا له أو أميرا مثله أو نحو ذلك ، ولا حجر في الاصطلاح وقد اعتبروا مثل هذا في باب التشبيه كما سيأتي