ابن يعقوب المغربي

456

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

فالمراد بالتقدير إمكانه لا أنه يتوقف إفادة التركيب للمعنى على تقديره تقديرا يكون كالمذكور بحيث يكون إسقاطه إيجازا فلا ينافي هذا ما سيأتي من أن قوله تعالى وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ " 1 " من المساواة ، ويحتمل وهو ظاهر كلام صاحب المفتاح أن في الاستثناء المفرغ مقدرا عاما حقيقة ، وأن العامل لا يتسلط على ما بعد إلا ووجه بأنا إذا قلنا مثلا : ما قام إلا زيد ففي قام ضمير يعود على أحد وهو مقدر ذهنا فيعم بعموم مصدوقه ، ويكون إلا زيد بدلا والتزام رفعه في هذا القسم لعدم ظهور المستثنى منه لفظا ، وتقدير ضمير يعود على مقدر لم يذكر موجود كقولهم إذا كان غدا فأتني أي : إذا كان ما نحن فيه من سلامتنا غدا فأتني ، ولا يخفى ما فيه من التعسف ، وما نظر به لا يتضح به الأمر ؛ لوجود الدليل الحالي فيه بخلاف الاستثناء بعد النفي فإن نفس المستثنى هو الذي يتبادر تسلط العامل عليه ، والأداة لمجرد الحصر ( عام مناسب للمستنثى في جنسه ) ، أما مناسبته للمستثنى في الجنسية بأن يصدق عليه فلأنه لو لم يصدق عليه لم يوجد إخراج وأما عمومه له فليصح الاستثناء الذي هو الإخراج أيضا إذ لو أريد البعض فإن كان ذلك البعض معينا هو هذا المستثنى كان الكلام تناقضا محضا ، وإن كان غيره فلا إخراج ، فتبطل فائدة وضع دلالة الاستثناء ، وإن كان مبهما لم يتحقق دخوله فلا يتحقق الإخراج ، فبطل تحقق دلالة الآلة فيما وضعت له فلم يفهم المعنى ، واللفظ الموضوع يستلزم فهو معناه فوجب أن يكون ذلك المقدر عاما ؛ ليتحقق الإخراج ، ولهذا يقال الاستثناء معيار العموم ، ولا يخفى ما في قوله : مناسب له في جنسه من المسامحة ؛ لأن ظاهره مشاركة المستثنى للمستثنى منه في الجنس والمقصود كون المستثنى منه جنسا للمستثنى بحيث يصدق عليه ، والأولى أن يكون قرينا له إن أمكن ، وإلا قدر ما أمكن كلفظ شيء فيقدر في نحو : ما ضرب إلا زيد ، ما ضرب أحد إلا زيد ، وفي نحو : ما كسوته إلا جبة ، ما كسوته كسوة إلا جبة ، وفي نحو ما جاء إلا راكبا ، ما جاء كائنا على حال من الأحوال إلا راكبا إذ معنى راكبا كائنا على حال الركوب ، وفي نحو : ما سرت إلا يوم الجمعة ، ما سرت وقتا من الأوقات إلا يوم

--> ( 1 ) فاطر : 43 .