ابن يعقوب المغربي
451
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
ثم أشار إلى أن إنما لها مواقع ، وأحسنها ما يقصد به التعريض فقال : ( وأحسن مواقعها ) أي أحسن مواضع إنما : ( التعريض ) أي الكلام الذي يقصد به التعريض ، وهو كما يأتي أن يستعمل الكلام في معنى ليلوح بغيره أي : ليفهم منه معنى آخر لا ظاهره ، وذلك ( نحو ) قوله تعالى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ " 1 " فإنك تجزم بأن ليس المراد ظاهره فقط وهو حصر تذكر أي تعقل الحق في أولى الألباب أي : أرباب العقول ؛ ( فإنه ) معلوم بل هو ( تعريض بأن الكفار من فرط ) - أي : تناهى - ( جهلهم ) إلى الغاية القصوى هم ( كالبهائم فطمع النظر منهم كطمعه منها ) أي ما يصل إليه النظر منهم هو ما يصل إليه من البهائم فكما أن النظر لا يطمع أحد أن يصدر من البهائم فلا يطمع أحد أن يصدر من الكفار . وكثيرا ما يراد التعريض بالكلام المتضمن للحصر بطريق من الطرق كما يقال في جنب من يؤذى المسلمين : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده تعريضا بنفي الإسلام عنه فإن قلت : إفادة نحو هذا الكلام للمعنى المعرض به ظاهر ؛ لأن حصر الإسلام فيمن لا يؤذى يستلزم نفيه عن جنس المؤذى ومن جملته السامع ، وأما نحو : إنما يفهم العاقل ، وإنما يستجيب السامع فما وجه دلالته على المعنى المعرض به ؛ فإن دلالة التعريض بطريق الاستلزام ؟ قلت : اللزوم هنا لا يشترط فيه كونه عقليا على ما يأتي في دلالة الالتزام فقولنا في جنب من أفهم فلم يفهم : إنما يفهم العاقل تعريض بأن لا عقل له لما دل على حصر الفهم على غير هذا السامع ونفيه عنه ؛ لأن قرينة عدم فهمه عند الاستعمال مع وجود من يتوهم أنه ممن يفهم تدل على أن الحصر باعتباره ، وكان الغير المحصور فيه هو العاقل فإن الكلام بتلك القرينة مقابلة السامع للعاقل يفهم نفى العقل عنه وأنه نزل منزلة البهيمة كما تقدم في : إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ " 2 " ، وإن شئت قلت : لما علق الفهم على العقل المناسب والسامع لم يفهم فهم نفى العقل عنه الذي هو العلة وإلا لوجد الفهم فليتأمل .
--> ( 1 ) الرعد : 19 . ( 2 ) الأنعام : 36 .