ابن يعقوب المغربي

370

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

وصفه بكونه في خمور الدنيا فقط ، لا يخفى - أيضا - أن الكلام حينئذ مع من يعتقد نفى الغول على خمور الدنيا ، وليس كذلك ، وإن جعل السلب من جانب المحمول كان المعنى - كما تقدم أيضا - أن الغول مقصور على الاتصاف بعدم الكون في خمور الجنة ، لا يتعدى ذلك إلى أن يتصف - أيضا - بعدم الكون في خمور الدنيا ، أو يتصف فقط بذلك العدم ، بناء على أنه قصر أفراد ، أو قلب ، ويكون كلاما مع من يعتقد أن الغول منفى عن الخمرين معا ، فأريد إثبات نفيه في أحدهما فقط ، أو منفى عن أحدهما دون الآخر ، فأريد إثبات نفيه عن الآخر فقط ، ولا يخفى ما فيه - أيضا - لأن الكلام مع من يعتقد الثبوت ، لا مع من يعتقد النفي ، فالأولى أن يجعل من باب ما ورد فيه النفي مقيدا بالقصر الذي يفيده أصل تركيب الثبوت ولو لم يوجد ذلك الأصل ، إذ ليس كلاما مع من يعتقد أن فيها فقط غولا بل مع من يثبت فيهما ، فكأنه قيل : في خمور الجنة غول ، فنفى نفيا مقصورا ، فأفاد قصر نفى المسند إليه على الظرف ، ونظيره في الإثبات قوله تعالى إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي " 1 " أي : حسابهم مقصور على الاتصاف بكونه على ربى لا يتعداه إلى الاتصاف بكونه عليّ ، وكذا قوله تعالى لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ " 2 " أي : دينكم مقصور على الاتصاف بكونه لكن لا يتعداه إلى الاتصاف بكونه لي ، كما أن ديني مقصور على الاتصاف بكونه لي لا يتعداه إلى الاتصاف بكونه لكم أيضا ، وكل ذلك من قصر الموصوف على الصفة لا العكس - كما توهم ، وقد أطلنا في هذا المقام للحاجة إلى تحقيق مفاد هذا الكلام - واللّه الموفق بمنه وكرمه . ( ولهذا ) أي : ولأجل أن التقديم يفيد الاختصاص غالبا ( لم يقدم الظرف ) الذي هو المسند على المسند إليه ( في ) قوله تعالى ( لا رَيْبَ فِيهِ " 3 " ) فلم يقل : لا فيه ريب ( لئلا يفيد ) تقديمه عليه إذا فهم الكلام على مقتضى الغالب في التقديم وهو الاختصاص . ( ثبوت الريب في سائر ) أي : باقي ( كتب اللّه تعالى ) مما سوى القرآن ؛ لأن الكلام حينئذ لو قدم فيه الظرف أفاد بناء على أن التقديم يفيد التخصيص أن القرآن يختص بعدم الريب ، وتحقق

--> ( 1 ) الشعراء : 113 . ( 2 ) الكافرون : 6 . ( 3 ) البقرة : 2 .