ابن يعقوب المغربي

348

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

أي : استعمالها في ذلك مع المضارع لنكتة اقتضاها المقام ، وهي إفادة أن الفعل الذي دخلت عليه استمر ( فيما مضى وقتا فوقتا ) أي : وقتا بعد وقت وإنما قلنا إن النكتة ما ذكر ؛ لأن نفى استمراره على طاعتهم التي هي المراد بالفعل هو الذي كان سببا لنفى عنتهم بمعنى أنه لو استمر - صلّى اللّه عليه وسلّم - على طاعتهم أي : موافقتهم في كل ما يعرض لهم ترجيحه بحسب رأيهم لهلكوا لذلك ، ولما انتفت الموافقة في كل شيء التي هي استمرار الطاعة انتفى هلاكهم ، وإنما قلنا إن نفى الاستمرار على الطاعة موجب لنفى الهلاك دون استمرار نفى الطاعة ، بحيث لا يوافقهم في شيء أصلا ، ولو كان هو المتبادر في ايجاب نفى الهلاك ؛ لأن موافقتهم في بعض الأمور التي لا تضر لا توجب هلاكهم ؛ بل فيها جلب خواطرهم فنفى استمرار الطاعة كاف ولو كانت معه بعض الموافقة ، وإنما يوجب الهلاك ، ويوجب اختلال حكمة الرياسة ، وانتقاض نظام السيادة الاستمرار على الطاعة أبدا بخلاف الموافقة في بعض الأحيان ؛ لأن من شأن الملك موافقة الرعية في بعض الأمور لجلب قلوبهم مع أن لفظ المضارع يدل على استمرار الفعل ، فتدخل عليه لو دالة على نفى ذلك الاستمرار ، وأما الوجه الآخر وهو أن المستمر نفس النفي المفاد بلو بمعنى أن استمرار نفى طاعتهم أوجب نفى هلاكهم ، ولو كان أخص من الأول ، ومقتضى الأعم مقتضى الأخص فهو مرجوح من وجهين أحدهما : أن المعنى السابق كاف مع موافقته مقتضى الرياسة ؛ لأن المساعدة في بعض الأحيان لجلب القلوب ، كما أشرنا إليه أقرب لصلاح الرعية من نفى الطاعة - أصلا - والثاني : أنه محوج لاعتبار أن التركيب ، ولو كان أصله الدلالة على نفى القيد يراعى فيه المنفى المقيد بمعنى أن أصل الفعل الدلالة على الفعل المستمر ، فإذا أدخلت عليه ( لو ) لتدل على النفي تسلط النفي على قيد الاستمرار فيراعى في هذا المعنى معنى آخر ، وهو أن هذا النفي مقيد بالاستمرار بمعنى أن نفى الطاعة مقيد باستمراره وهذا المعنى وهو اعتبار النفي مقيدا بقيد في تركيب كان الأصل فيه نفى ذلك القيد وارد في كلام العرب ، ومنه قوله تعالى وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ " 1 " فالجملة الاسمية لتأكيد الإثبات ، وكان أصل

--> ( 1 ) البقرة : 8 .