ابن يعقوب المغربي
122
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
وكذا ما يقال من أن ذكر تقديم المستثنى في موجبات التعقيد لا يصح ، لجريانه على القانون النحوي ؛ لأن ذلك مبنى على أن ضعف التأليف يلزم من نفيه نفى التعقيد اللفظي ، وقد تقدم عدم الاستلزام بأن تقديم المستثنى مما يزيد التعقيد فيصح ذكره في موجباته ( وإما في الانتقال ) أي : يحصل التعقيد بصعوبة فهم المراد لخلل واقع في تأليف اللفظ أو لخلل واقع في الانتقال أي : في انتقال الذهن من معنى اللفظ الأصلي إلى معنى آخر ملابس للأصلى ، قد استعمل اللفظ ليفهم منه ذلك الملابس على وجه الكناية أو المجاز ، فإن شرط فصاحة الكناية والمجاز أن يكون الفهم سريعا لكون المعنى الثاني المراد كناية أو مجازا قريبا فهمه من الأصل في تركيب الاستعمال العرفي ، وأما إن لم يكن كذلك بأن كان فهم الملابس بعيدا عن الفهم عرفا ، بحيث يفتقر في فهمه إلى وسائط التفكرات الكثيرة ، فالحاجة إلى كثرة الترددات في الفكر هي الموجبة لعدم سرعة الفهم ، فالمراد بكثرة الوسائط كثرة التفكرات المحتاجة في الفهم ، ويحتمل أن يكون مراد من قال : إن سبب الصعوبة الوسائط الكثيرة الوسائط الحسية وخصها بالذكر ؛ لأن غالب الصعوبة معها وفيه ضعف لأن مناط الصعوبة ما تقدم كما سنبينه الآن ، ويلزم من بعد الفهم خفاء القرائن ، وقد علم من قولنا بعيدا عن الفهم عرفا أن المناط في الصعوبة عدم الجريان على ما يتعاطاه أهل الذوق السليم ، لا كثرة الوسائط الحسية ، فإنها قد تكثر من غير صعوبة ، كما يأتي في قولهم : فلان كثير الرماد كناية عن المضياف فإن الوسائط كثيرة فيه ولكن لا تعقيد ، ولما كانت الصعوبة مظنة اضطراب الفكر ، والفكر هي المؤدية إلى الفهم صح جعلها وسائط ووصفها بالكثرة ، ثم مثل للخلل الموجود في الانتقال بقوله : ( كقول الآخر ) ولم يقل كقوله ؛ لئلا يتوهم أنه الفرزدق : ( سأطلب بعدا لدار عنكم لتقربوا * وتسكب عيناي الدموع لتجمدا ) " 1 " فقد عبر بسكب الدموع لينتقل من معناه إلى لازمه الذي هو وجود الحزن الذي يحصل كثيرا عن فراق الأحبة ، وهذا أمر سريع الإدراك عرفا ، ولهذا يقال : أبكاه
--> ( 1 ) البيت للعباس بن أحنف ، في ديوانه ص 106 ، ط دار الكتب ، والإيضاح ص 16 ، ودلائل الإعجاز ص 268 .