عباس حسن
580
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
فعند عدم القرينة تتعين القلة حتما ؛ اعتمادا على أن الصيغة موضوعة في أصلها للقلة ، ومختصة بها ؛ فلا يجوز إبعادها إلى الكثرة بغير قرينة ؛ وإلا كان هذا إبعادا لها عن أصلها ، وإخراجا منه إلى غيره مما لا تصلح له في حقيقة ولا مجاز . . . « 1 » وكما تتعين القلة عند عدم القرينة تتعين أيضا في حالة ثانية ؛ هي أن تكون تلك الصيغة الدالة على المعدود هي من الصيغ الموضوعة للكثرة ، والعدد هو ثلاثة ، أو عشرة ، أو عدد آخر بينهما . وإنما تتعين للقلة هنا منعا للتعارض بين مدلول العدد ومدلول المعدود ، لأن كل واحد من هذه الأعداد المفردة صريح في دلالته على القلة ، فلا يصح أن يخالفه معدوده في مضمون هذه الدلالة ، ولا أن يعارضه . فلو كانت صيغة المعدود موضوعة في أصلها للكثرة لكانت مع العدد المفرد للقلة . ومن كل ما تقدم يتضح أن معنى القلة يتعين ويتحتم وحده في صورتين : « الأولى ، . . . أن تكون صيغة المعدود هي من صيغ القلة المتجردة لدلالتها الأصلية ، ولا توجد قرينة تبعدها عن هذه الدلالة ، وتخرجها منها إلى الدلالة على الكثرة و « الثانية » أن تكون الصيغة الدالة على المعدود هي إحدى الصيغ الدالة على الكثرة ، لكن العدد الخاص بها دال على القلة ، كالعدد ثلاثة ، أو عشرة ، أو أحد الأعداد التي بينهما . وعدد الصيغ الثانية المختصة بجموع الكثرة قد يزيد على ثلاثين ، ولكن المشهور القياسىّ منها يقارب ثلاثا وعشرين صيغة . وسنعرف الكثير منها ؛ مثل : فعل ، وفواعل ، ومفاعل ، وفعالى ، وفعل . . . و . . . نحو : حمر ، وجواهر ، ومعابد ، وصحارى ، وكتب . . . ولاختيار نوع الصيغة الدالة على التكسير أثر آخر في تركيب الأسلوب أحيانا ، فوق أثره المعنوي السالف ؛ ذلك أن صيغة جمع القلة يناسبها نون النسوة ، وأن صيغة جمع الكثرة يناسبها تاء التأنيث ؛ فقولنا : رأيت أذرعا امتددن . . . أفضل من امتدت - وللوالد أياد غمرت أبناءه . . . أحسن من غمرن « 2 » . . . وما تقدم هو الأفضل والأحسن ، ولكنه ليس واجبا . الأمر الثاني « 3 » : أن العرب قد يضعون جمعا معينا على وزن صيغة خاصة بأحد النوعين ، ولكنهم يستعملون هذا الجمع في القلة حينا ، وفي الكثرة حينا آخر ، استعمالا حقيقيّا ، لا مجازيّا - والقرائن وحدها في السياق هي التي تعينه لأحد النوعين - بالرغم من أن الصيغة خاصة بأحدهما فقط ، وأن وزنها يشيع استعماله عندهم في نوع منهما
--> ( 1 ) إذ يشترط في المجاز وجود القرينة التي تمنع من إرادة المعنى الأصلىّ . . . ( 2 ) لهذا إشارة في رقم 2 من هامش ص 579 أما التفصيل ففي ص 525 . ( 3 ) تقدم الأمر الأول في ص 578 .