عباس حسن

165

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

نحو : واللّه لأعملن الخير جهدي - باللّه لأجتنبنّ قول السوء قدر استطاعتي - تاللّه لنحاربن الشر ما وسعتنا المحاربة « 1 » . . . فالأفعال المضارعة : ( أعمل - أجتنب - نحارب . . . ) واجبة التوكيد بالنون ، لاستيفائها الشروط كلها ، فهي مثبتة ، مستقبلة الزمن « 2 » ، وقبلها قسم وقعت في جوابه ، مصدّرة بلام الجواب ، بغير فاصل بينهما . فإذا فقد بعض الشروط نشأت صورة جديدة قد يمتنع فيها توكيده ، وقد يصح إذا انطبقت عليها أوصاف المنع أو أوصاف الجواز التالية : فمن الصور التي يمتنع فيها توكيد المضارع بالنون أن يفقد شرط الثبوت في الحالة السالفة فيكون منفيّا ، إمّا لفظا ؛ نحو : إن دعيت للشهادة فو اللّه لا أكتم الحق ، وإما تقديرا نحو : قوله تعالى : ( تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ . . . ) أي : لا تفتأ ، لأن حذف « لا » النافية كثير في جواب القسم عند أمن اللبس « 3 » . ومن الصور التي يمتنع فيها توكيده أيضا أن يفقد شرط الاستقبال في تلك الحالة أيضا ؛ فيكون زمنه للحال بقرينة تدل على هذا ، كقول الشاعر :

--> ( 1 ) أي : مدة اتساع المحاربة لنا ، واقتدارنا عليها ( 2 ) لأن نون التوكيد تخلص زمن المضارع للمستقبل ، ولا علامة أو قرينة هنا تمنع تجرده للاستقبال ( كما أوضحنا في ص 164 ، وفي ح 1 ص 38 م 4 ) . ( 3 ) تحذف العرب - أحيانا - « لا » النافية في جواب القسم ، مع ملاحظتها وتقديرها في المعنى ؛ لأن اللبس عندئذ بين المنفى والموجب مأمون ، إذ لو كان الجواب غير منفى في المعنى والتقدير لوجب أن يكون المضارع مؤكدا باللام والنون معا ، جريا على الأغلب في جواب القسم عند البصريين ، وبأحدهما عند أكثر الكوفيين . - ومن أمثلة حذف « لا » النافية في الآية السالفة : ( تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ ) أي : لا تفتأ . جاء في أمالي أبى القاسم الزجاجي - ص 50 - في بيت ليلى الأخيلية ترثى توبة : فأقسمت أبكى بعد توبة هالكا * وأحفل من دارت عليه الدوائر ( أي : لا أبكى ولا أحفل ) ما نصه : « تريد : لا أبكى . . . والعرب تضمر « لا النافية » في جواب القسم مع ملاحظتها في المعنى ؛ لأن الفرق بينه وبين الموجب قد وقع بلزوم الموجب اللام والنون : كقولك : واللّه لأخرجن . قال اللّه عز وجل : « تاللّه تفتأ تذكر يوسف » أي : لا تفتأ تذكر يوسف ) . اه . وقال الشاعر : فقلت يمين اللّه أبرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالى أي : لا أبرح . . . - وقد ذكرنا ما تقدم بمناسبة أخرى في الجزء الأول عند الكلام على : « فتىء » م 42 ص 510 وفي الجزء الثاني م 90 ص 383 بمناسبة الكلام على أحرف القسم وجوابها .