عباس حسن
162
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
الأعداء بجهلك ) . أو : ( تجنب شرّ القتلة ؛ شاهد الزّور ) ، ( وهل يبرئ القاتل ، وهل يقتل البرىء سواه ؟ ) . . . فقد تزعم أن المتكلم يعرض عليك كل مسألة من هذه المسائل عرضا مجردا ، ( أي : خاليا من رغبته القوية وتشدده في مطالبتك بالتنفيذ أو بالتّرك ، خاليا من الحرص على تأديتك ما تحدّث بشأنه أو عدم تأديتك ، وتصديقك به أو عدم التصديق ) . وقد يكون لك الحق في هذا الزعم ؛ فليس في الكلام ما يبعده . فلو رغب المتكلم أن يبعده ، ويشعر السامعين بتمسكه بمضمون كلامه ، وتشدده في التنفيذ والتأدية ، وحرصه على تصديق ما قال - لزاد في الكلام ما يدل على هذه الرغبة ؛ كأن يزيد « نون التوكيد » ، على آخر الفعل المضارع أو الأمر ؛ فإن زيادتها تفيد معنى الجملة قوة . وتكسبه تأكيدا ؛ إذ تبعد عنه الاحتمال السابق ، وتجعله مقصورا على الحقيقة الواضحة من الألفاظ ، دون ما وراءها من احتمالات . فلو قيل في الأمثلة السالفة : ( أكثرن . . . - لا تكثرن . . . - تجنبن . . . - يبرئن - . . . يقتلن . . . ) لكان مجىء نون التوكيد ، برغم اختصارها البالغ بمنزلة القسم ، وبمنزلة قول المتكلم : إني أؤكد كلامي ، وأتشدد في أن تنفذ مضمونه في المستقبل ، وأحرص على أن تصدقه . أو : بمنزلة تكرار ذلك الكلام ، وإعادته لتحقيق الغرض السالف ، ومن أجله سميت : ب « نون التوكيد » . والمشددة أقوى في تأدية الغرض من المخففة ، وفوق هذا فكلتاهما تخلّص المضارع للزمن المستقبل ، سواء أكان اتّصالها به مباشرا أم غير مباشر « 1 » . ومن ثمّ يمتنع دخولها على المضارع إذا كان للحال ، أو للمضىّ أحيانا - كما سبق - ؛ منعا للتعارض بينهما . أما الأمر فزمنه مستقبل في الأغلب ؛ فتقوّى فيه الاستقبال . فإن كان لغيره خلّصته للمستقبل فالأثر المعنوي لهذه النون هو توكيد المعنى على الوجه السّالف ، وتخليص زمن المضارع للاستقبال ، وتقوية الاستقبال في فعل الأمر أو إرجاعه إليه . وقد تفيد النون - مع التوكيد - الدلالة على الإحاطة والشمول إذا كان الكلام لغير الواحد ، ففي مثل : يا قومنا احذرن مكايد الأعداء . . . يكون المراد : يا قومنا كلكم ، أو جميعكم ، فردا فردا . . . * * * وخلاصة كل ما تقدم : أنهما حرفان من أحرف المعاني ، يلحقان بآخر
--> ( 1 ) يكون غير مباشر ؛ لوجود فاصل بينهما ؛ كالضمير .