عباس حسن
84
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
المسألة 134 : النداء المقصود به التعجب . أسلوبه : راقب أحد الشعراء البدر في ليلة صافية ، فبهره جماله ، وتمام استدارته . ولطف حركته . . . فأعلن إعجابه وإكباره بقصيدة مطلعها : يا للبدور ، ويا للحسن ؛ قد سلبا * منى الفؤاد ؛ فأمسى أمره عجبا وراقب آخر الشمس ساعة غروبها ، وما ينتابها من صفرة ، وتغير ، واختفاء ؛ فامتلأت نفسه بفيض من الخواطر سجله في قصيدة منها : يا للغروب ، وما به من عبرة * للمستهام ، وعبرة للرّاءى أوليس نزعا للنهار ، وصرعة * للشمس بين جنازة الأضواء ؟ وتكشّف يوم من أيام الربيع الباسمة عن صباح عاصف ، متجهم ، قارس ، فقال أحد الشعراء أرجوزة مطلعها : يا لصباح أغبر الأديم * قد طعن الربيع في الصميم فهذه الأساليب : ( يا للبدور - يا للحسن - يا للغروب - يا لصباح . . . وأشباهها ) قد توهم في مظهرها اللفظي وهيئتها الشكلية أنها أساليب استغاثة ؛ - كالتي مرت في الباب السّالف « 1 » - لاشتمالها على حرف النداء : « يا » ، وعلى منادى مجرور باللام المفتوحة . ولكنها في حقيقتها ليست باستغاثة ؛ لخلوها - في الغالب - من السمتغاث به الذي يوجّه له النداء حقيقة « 2 » ، لا مجازا ، ومما يصلح أن يكون مستغاثا حقيقيّا ، ( لا مجازيا ) ، ولأنّ المتكلم لا يطلب التخلص من شدة واقعة ، ولا دفع مكروه متوقّع . وإنما هي أساليب نداء ؛ أريد بها التعجب من ذات شئ ، أو كثرته ، أو شدته ، أو أمر غريب فيه ، أو غرض آخر مما سنبينه ؛ فهي نداء خرج عن معناه الأصلي إلى هذا الغرض الجديد ، وجاءت صورته الشكلية على صورة الاستغاثة ، دون أن يكون منها في المعنى والمراد . وقد ينادى العجب نفسه - مجازا - للمبالغة في التّعجب ؛ فيقال : يا عجب - يا للعجب - يا عجبا للعاقّ - .
--> ( 1 ) ص 76 . ( 2 ) الأصل في النداء الحقيقي أن يكون موجها لعاقل ، وإلا فهو نداء مجازى لداع بلاغى . ( طبقا للبيان الذي في ج ص 5 ) .