عباس حسن
590
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
عن صاحبه الحقيقىّ ؛ ليعرفه على وجه اليقين ، لا التردد والشك ؛ نحو : أعمّك مسافر أم أخوك ؟ فقد وقعت « أم » بين شيئين ، هما : « عم » و « أخ » وقبلهما همزة استفهام « 1 » يريد المتكلم بها و « بأم » أن يعين له المخاطب أحد الشخصين تعيينا قاطعا يدل على المسافر منهما دون الآخر . فالمتكلم يعلم يقينا أن أحدهما مسافر ؛ لكن من منهما ؟ هذا هو ما يجهله المتكلم ، ويريد أن يعرفه بغير تشكك فيه ؛ إذ لا يدرى ؛ أهو : العم أم الأخ ؟ ؛ ومن أجله يطلب من المخاطب أن يعيّن له المسافر تعيينا مضبوطا ، ويحدده تحديدا يؤدى إلى كشف حقيقته وذاته ، فيمكن بعد هذا إسناد السّفر إليه وحده ، ونسبته إليه ، دون غيره . فالسفر المجرد - ليس موضع السؤال ، لأنه غير مجهول للمتكلم ، إنما المجهول الذي يسأل عنه ويريد أن يعرفه - هو تعيين أحدهما ، وتخصيص فرد منهما بالأمر دون الآخر . ومن الأمثلة أيضا : أعادل واليكم أم جائر ؟ فقد وقعت « أم » بين شيئين ؛ هما : عادل وجائر ، وقبلهما معا همزة الاستفهام التي يريد المتكلم بها وبأم استبانة أحد هذين الشيئين ، وتحديده ، وتعيينه ، ليقتصر المعنى عليه ، وينسب إليه وحده . ذلك أن المتكلم يقطع بأن هناك واليا ، ولا يشك في وجوده ، ولكن الذي يجهله ويريد أن يعرفه من المخاطب هو : تعيين هذا الوالي ، وتحديد أمره ؛ بحيث يكون واحدا محددا من هذين الاثنين لا يتجه الفهم إلى غيره مطلقا . وتسمى هذه الهمزة : « بالمغنية عن كلمة : أىّ » - لأنها مع « أم » يغنيان عن كلمة : « أىّ » في طلب التعيين ، وليست الهمزة وحدها - فمعنى ؛ أعمك مسافر أم أخوك ؟ هو : أيّهما المسافر ؟ ومعنى أعادل واليكم أم جائر : أىّ الأمرين واقع ومحقق ؟ حكم هذا القسم : يشترط في : « أم » هذه - كما سبق - أن تتوسط بين الشيئين اللذين يراد
--> ( 1 ) قال الصبان - في باب العطف عند آخر الكلام على همزة التسوية وما يتصل بها ما نصه : ( « وقد تكون « هل » بمعنى « الهمزة » فيعطف « بأم » بعدها ؛ كحديث : « هل تزوجت بكرا أم ثيبا » ؟ ) . ا ه كلام الصبان . هذا وفي شعر الحسن بن مطير ( وهو أموي من شعراء الحماسة ، يحتج بكلامه ) قوله : هل اللّه عاف عن ذنوب كثيرة * أم اللّه - إن لم يعف عنها - يعيدها ؟