عباس حسن

559

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

ففي المثال السابق قد يكون وصول القطار أوّلا وبعده السيارة ، وقد يكون العكس ، وقد يكون الزمن بين وصول السابق واللاحق طويلا أو قصيرا ، وقد يكون وصولهما اصطحابا معا ( أي : في وقت واحد ) ، فلا سبق لأحدهما ولا زمن بين وصولهما . فكل هذه احتمالات صحيحة ، لا يزيلها إلا وجود قرينة تدل على واحد منها دون غيره . كأن يقال : وصل القطار والسيارة قبله ، أو بعده ، أو معه . . . فمن أمثلة الترتيب والمهلة - بقرينة - قوله تعالى : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ . . . ) ، فقد أفادت الواو الاشتراك ، والترتيب الزمنى ، والمهلة ؛ فعطفت المتأخر كثيرا في زمنه ( وهو : إبراهيم ) على المتقدم في زمنه ، ( وهو : نوح ) ، وكانت إفادتها الترتيب والإمهال مستفادة من قرينة خارجية يجب احترامها ، هي التاريخ الثابت الذي يقطع بأن زمن إبراهيم متأخر كثيرا عن زمن نوح ، ولولا هذه القرينة ما أفادت الواو الترتيب الزمنى ، وفسحة الوقت . وهذه الفسحة - أو المهلة - يقدّرها العرف بين الناس ، فهو - وحده - الذي يحكم على مدة زمنية بالطول ، وعلى أخرى بالقصر ، تبعا لما يجرى في العرف الشائع . ومن الأمثلة أيضا قوله تعالى مخاطبا النبي محمدا عليه السّلام : ( كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك اللّه العزيز الحكيم ) ، فالواو قد أفادت الاشتراك والجمع في المعنى المراد ؛ وهو : الإيحاء ، وأفادت - أيضا - الترتيب الزمنى والمهلة بعطف المتقدم في زمنه على المتأخر كثيرا في زمنه بقرينة خارجة عنهما ، هي : « من قبلك » فهذا النص صريح في أن « المعطوف » سابق في زمنه على « المعطوف عليه » ولولا هذه القرينة لاقتصرت الواو على إفادة الجمع المطلق في المعنى ، والاشتراك المجرد فيه ، دون إفادة ترتيب زمنىّ ، وأما المهلة فقد دلّ عليها التاريخ . وكقوله تعالى في نوح عليه السّلام حين ركب السفينة هو وأصحابه المؤمنون ، فرارا من الغرق بالطوفان : ( فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ . . . ) فالواو تفيد الجمع

--> - ومن أوضح الأمثلة للدلالة على مجرد الاشتراك المطلق في معنى الواو قوله تعالى : ( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ، وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ، أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ، وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ، وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ . وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) .