عباس حسن
17
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
وإنما انحصر الاختيار في هذه الثلاثة لأنها - دون غيرها - أقدر على تحقيق الغاية المعنوية ؛ فالحرف : « من » يدل على أن المضاف بعض المضاف إليه . . . ، والحرف : « في » يدل على أن المضاف إليه يحوى المضاف كما يحوى الظرف المظروف . . . والحرف : « اللام » يدل على ملكية المضاف إليه للمضاف ، أو اختصاصه به بنوع من الاختصاص . . . فمثال : « من » قول أعرابية لابنها الخارج إلى القتال ، وقد رأته متزينا : حرام على من يروم انتصارا * ثياب الحرير ، وحلى الذهب أي : ثياب من الحرير ، وحلى من الذهب . ومثال « في » قول الشاعر : ولقد ظفرت بما أردت من الغنى * بكفاح صبح ، واجتهاد مساء أي : بكفاح في صبح ، واجتهاد في مساء . ومثال « اللام » قول الشاعر في وصف الصحف : لسان البلاد ، ونبض العباد * وكهف الحقوق ، وحرب الجنف « 1 » أي : للبلاد - للعباد - للحقوق - للجنف . ومن الواجب التنبه لما قلناه من أن الحرف الجارّ - في الأمثلة السالفة وأشباهها - لا وجود له في الحقيقة الواقعة ، ولا في التقدير الذي يقوم مقامها ، وإنما وجوده مقصور على التخيل ، ومجرد النية . ولهذا لم يعمل الجر في المضاف إليه ، - في الرأي المشهور - ولم يحتاجا معا إلى عامل يتعلقان به ؛ إذ التعلق لا يكون إلا للجار والمجرور الحقيقيين الأصليين . وبالرغم من أن هذا الحرف خيالي محض فإن التصريح به جائز في أكثر الإضافات المحضة « 2 » . . . لكن أيصلح كل حرف من تلك الأحرف الثلاثة لكل إضافة محضة ؛ بحيث يصح أن يحل هذا الحرف محل ذاك ، والعكس ، بغير ضابط ولا اشتراط شئ ، أم أن الأمر في الاختيار مقيد بشرط خاص ، وخاضع لضابط معين ؟ . وبعبارة أخرى : أيباح استعمال كل واحد من الأحرف الثلاثة في كل إضافة
--> ( 1 ) الميل عن الحق - الظلم . ( 2 ) سيجئ في قسم « ا » ص 21 بعض الصور التي لا يصح فيها التصريح بحرف الجر