عباس حسن
144
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
الذهن . . . ) وفي هذه الحالة يكون معنى : « قبل » هو معنى المشتق ؛ فيفيد سبقا مطلقا ، وتقدما عاما غير مقيد بشئ ، ولا منسوبا لآخر ؛ ذلك أن من يقول : حضرت قبل مجىء القطار يريد : كان حضوري سابقا على مجىء القطار ، متقدما بالنسبة لهذا المجىء المعيّن ؛ فسبق الحضور هنا ليس سبقا مطلقا عامّا يشمل كل الأحوال ، ولكنه سبق مقيد مقصور على حالة واحدة ؛ هي حالة مجىء القطار ؛ فالحضور سابق بالنسبة لهذه الحالة وحدها دون غيرها . أما حين يقول : حضرت « قبلا » فإن الظرف يفيد السبق المطلق ، والتقدم العام ؛ فكأنّه يقول : « حضرت متقدما » ؛ أو : « سابقا » ، وهذا يشمل السبق والتقدم على مجىء القطار ، وعلى مجىء المسافرين ، وعلى مجىء الوقت المناسب ، وعلى كل مجىء آخر من غير تقيد بحالة خاصة معينة كالحالة الأولى التي توجب التّقيد بالمضاف إليه « 1 » . ( ومثل هذا يقال في باقي الأسماء
--> ( 1 ) إذا كان معنى « قبل » هو معنى المشتق فهل تكون متخلية عن الظرفية نهائيا ، وتصير اسما محضا يفيد السبق والتقدم ؛ فمعناها هو : « سابق » : أو : « متقدم » ؟ أتكون كذلك أم تظل باقية على ظرفيتها مع تضمنها معنى المشتق ؛ فتنصب على الظرفية ، أو تجر بمن إن وجدت ؟ . يرى بعض المحققين الرأي الأول ، ويرى غيرهم أنها تتضمن معنى المشتق مع بقائها على ظرفيتها . والرأي الأول أدق وأحكم ، والاقتصار عليه أفضل ، لأنه يساير القواعد العامة في تنوين هذه الظروف ( أي : عند تنكيرها ) ولا تتجه إليه الاعتراضات التي تتجه للثاني . وعلى هذا إذا نصب : « قبل » فلن يكون منصوبا على الظرفية ، وإنما يكون منصوب اللفظ على الحال المؤولة ، أو على غيرها مما يقتضى النصب ، إلا إن سبقته « من » الجارة فإنها تعرب حرف جر زائد ، وتعرب كلمة : « قبل » مجرورة اللفظ بها ، منصوبة المحل ، باعتبارها حالا مؤولة ، أو شيئا آخر - غير الظرفية - يحتاج إليه الكلام منصوبا ؛ فتكون « قبل » منصوبة محلا . ومثلها بقية الظروف الدالة على الغاية ، وستجىء . ومن الخير أن ننقل ما سجله الرضى في هذا ، ونصه : ( قال بعضهم : إنما أعربت - يريد : « قبل » وأخواتها - إذا حذف المضاف إليه ، ولم ينو لفظه ولا معناه - لعدم تضمن معنى الإضافة ؛ فمعنى : كنت قبلا ، أي : قديما ، ومعنى : أبدا به أولا ، أي : متقدما ، ومعنى : من قبل ومن بعد ، أي : متقدما ومتأخرا ؛ لأن من زائدة ) . وجاء في تقرير ياسين تعليقا على هذا ما نصه : « يعنى أن القائل بالتنكير لعدم تضمن الإضافة يرى أنهما غير واقعين على الزمان بل معناهما اسم مشتق نكرة واقع على ذات أو معنى - غير زمان - منصوب على الحال أو غيرها » ) . وقد أشرنا إلى أن هذا - وكل ما سبق - يقال في أخوات : « قبل » من سائر الظروف الآتية .