عباس حسن

126

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

شدة التقارب الزمنىّ ، مع أنهما غير متقاربين في الواقع ؛ كقولهم في وصف حركات الحصان السريع : ( إنها كرّ مع فرّ ، وإقبال مع إدبار « 1 » . . . ) فاجتماع الكر والفر في زمان واحد محال ، وكذلك اجتماع الإقبال والإدبار ؛ فالمراد من الاجتماع الزمنىّ في مثل هذا هو : شدة التقارب . وكقولهم للحزين الضائق : « لا تحزن ؛ فإن مع العسر يسرا ، وإن مع اليوم أخاه الغد ، يقبل بالخير والإسعاد » . فالعسر واليسر لا يجتمعان في زمان واحد لإنسان . وكذلك اليوم والغد . . . و . . . وإذا المراد من الاصطحاب الزمنىّ والاجتماع قد يكون حقيقيّا ، وقد يكون بمعنى التقارب الشديد . ومثال صلاحه للأمرين قولهم : ( احتفينا بالعلماء الأجانب مع علمائنا ، وكرّمناهم مع النابغين من رجالاتنا ) . وكلمة : « مع » بدلالتها السالفة ، ظرف غير متصرف ، ملازم - في الأغلب - للإضافة لفظا ومعنى ؛ وللإعراب ؛ فهو منصوب على الظرفية بالفتحة . وقليل منهم يبنيه على السكون في كل حالاته ، إلا إذا وقع بعده حرف ساكن فيبنيه على الكسر ؛ للتخلص من التقاء الساكنين ، أو على الفتح للخفة « 2 » فيقول مع البناء على السكون : ( لا أمن مع ظلم الوالي ، ولا عمران مع طغيانه ) . ويقول عند التقاء الساكنين : قد يدرك المتأنى بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزّلل ببناء كلمة : « مع » على الفتح أو الكسر . الثانية : أن تكون ظرفا بمعنى : « عند » « 3 » ، ومرادفة لها ، في إفادة معنى الحضور المجرد ، فتكون ظرفا لا دلالة فيه على اجتماع ومصاحبة ، وتكون معربة ، مضافة ، واجبة الجر « بمن » الابتدائية ؛ نحو : ( الكفيل على اليتيم يرعاه ،

--> ( 1 ) الكر : الهجوم ، والفرّ : الفرار . ومنهما قول امرئ القيس يصف حصانه : - وله إشارة في ص 129 - مكرّ ، مفرّ ، مقبل ، مدبر ، معا * كجلمود صخر حطّه السيل من عل ( 2 ) إذا بنى على الفتح عند هؤلاء وهو مضاف ، فكيف نعلم أن الفتحة في آخره فتحة إعراب أو فتحة بناء ؟ يكون التمييز بالقرائن ؛ كأن نعلم أن الناطق به فرد من تلك القبائل القليلة التي تبنيه ، أو ممن يحاكيهم . ( 3 ) سبق الكلام عليها في ص 121 وفي ج 1 ص 222 م 89 .