عباس حسن
514
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
وقد رأيت فيما ذكرناه آنفا أن مذ ومنذ ، إذا كانا بمعنى ( من ) ، كان مجرورهما معرفة . فقد قال ابن عقيل : ( وإن وقع ما بعدهما مجرورا فهما حرفا جرّ بمعنى « من » ، إن كان المجرور ماضيا ) ، فقال العلامة الخضري : « قوله بمعنى من » ، أي : البيانية « 1 » هذا إذا كان المجرور معرفة كمثاله ، فإن كان نكرة فهما بمعنى ( من ) و ( إلى ) معا . ولا تكون النكرة إلا معدودة لفظا ، كمذ يومين ، أو معنى ، كمذ شهر ، لما مر من أنهما لا يجران المبهم . اه - ونحو ذلك في الأشمونى ، قال : . . . ثم إن كان ذلك ( في مضىّ فكمن هما ) في المعنى ، نحو : ما رأيته مذ يوم الجمعة . اه . ويتضح من ذلك أن في الموضوع مذهبين : أحدهما يشترط تعريف مجرور مذ ومنذ إذا كانا بمعنى ( من ) ، مع مضىّ الزمن . والثاني لا يشترط غير مضى الزمن « 2 » . ( ز ) قال العلامة الشيخ ياسين بن زين الدين العليمى الحمصي في حاشيته على شرح التوضيح ، عند قول المتن : ( أحدهما أن يدخلا على اسم مرفوع ، نحو : ما رأيته مذ يومان ) ، ما يأتي : « قوله مذ يومان » ، قال الزرقاني : قال الرضى : قال الأخفش : لا تقول : ما رأيته مذ يومان وقد رأيته أمس - ويجوز أن يقال : ما رأيته مذ يومان ، وقد رأيته أوّل من أمس - أما إذا كان وقت التكلم آخر اليوم فلا شك فيه ، لأنه يكون قد تكمّل لانتفاء الرؤية يومان . . . قال : ويجوز أن يقال في يوم الاثنين مثلا : ما رأيته منذ يومان : وقد رأيته يوم الجمعة ولا تعتدّ بيوم الإخبار ولا يوم الانقطاع . قال : ويجوز أن تقول : ما رأيته منذ يومان ، وأنت لم تره منذ عشرة أيام . قال : لأنك تكون قد أخبرت عن بعض ما مضى - أقول : وعلى ما بينا ، وهو أن منذ لا بد فيه من معنى الابتداء في جميع مواقعه ، لا يجوز ذلك « 3 » .
--> ( 1 ) قال العلامة الصبان عند قول ابن مالك : ( وإن يجرا في مضى فكمن ) ما يأتي : « قوله فكمن » ، أي : الابتدائية اه ، وهو أولى وأظهر من تسمية الخضري إياها بالبيانية . ( 2 ) اللهم إلا إذا كان ابن هشام يريد النص على ابتداء الغاية عند مضى الزمن ، فسكت عن ( إلى ) فلا منافاة على هذا بين قوله هذا وقول سائر النحاة . ( 3 ) يظهر أن اسم الإشارة راجع إلى ما مثل به ، ابتداء من قوله : ( ويجوز أن تقول في يوم -