عباس حسن
499
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
ولا يتوقف العقل في فهم دلالتها الحقيقية فهما سريعا . فما الداعي لإخراج الحرف من أمر يدخل فيه غيره ، ولإبعاده عما يجرى على نظائره ؟ إنه نظيرها ؛ فإذا اشتهر معناه في العرف ، وشاعت دلالته ؛ بحيث يفهمها السامع بغير غموض ، كان المعنى حقيقيّا لا مجازيّا ، وكانت الدلالة أصيلة لا علاقة لها بالمجاز ، ولا بالتضمين ولا بغيرهما ، فالأساس الذي يعتمد عليه هذا المذهب في الحكم على معنى الحرف بالحقيقة هو شهرة هذا المعنى وشيوعه ، بحيث يتبادر ويتضح سريعا عند السامع ؛ لأن هذه المبادرة علامة الحقيقة . وإن من يسمع قول القائل : ( كنت في الصحراء ، ونفد ما معي من الماء ، وكدت أهلك من الظمأ ، حتى صادفت بئرا شربت من مائها العذب ما حفظ حياتي التي تعرضت للخطر من يومين . . . ) سيدرك سريعا معنى الحرف : « من » وقد تكرر في الكلام بمعان مختلفة : أولها : بيان الجنس . وثانيها : السببية ، وثالثها : البعضية . ورابعها : الابتداء . . . و . . . كذلك من يسمع قول القائل : « إني بصير في الغناء : يستهوينى ، ويملك مشاعرى إذا كان لحنه شجيّا ، وعبارته رصينة ؛ كالأبيات التي مطلعها : ربّ ورقاء هتوف في الضّحا * ذات شجو صدحت في فنن . . . . . . . » . فإن معاني الحرف : « في » ستبتدر إلى ذهنه . فالأول : للإلصاق . والثاني : للظرفية . والثالث : للاستعلاء . وكل واحد من المعاني السالفة يقفز إلى الذهن سريعا بمجرد سماع حرف الجر خلال جملته . وهذا علامة الحقيقة - كما سبق - . فإذا كان المعنى من الشيوع ، والوضوح وسرعة الورود على الخاطر - بالصورة التي ذكرناها ، ففيم المجاز أو التضمين أو غيرهما ؟ إن المجاز أو التضمين أو نحوهما يقبلان ، بل يتحتمان حين لا يبتدر المعنى إلى الذهن ، ولا يسارع الذهن إلى التقاطه ؛ بسبب عدم شيوعه شيوعا يجعله واضحا جليّا ، وبسبب عدم اشتهاره شهرة تكفى لكشف دلالته في يسر وجلاء . أما إذا شاع واشتهر وتكشف للذهن سريعا فإن هذا يكون علامة الحقيقة - كما قلنا - فلا داعى للعدول عنها ،