عباس حسن

472

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

8 - الإضراب . والمراد به هنا : إبعاد المعاني الفرعية التي تخطر على البال من كلام سابق ، وإبطال ما يرد على النفس منها ؛ ( فهو كالاستدراك المستفاد من كلمة : « لكن » ) . ومن أمثلته قولهم : « هفا الصديق فاحتملت هفوته ؛ على أنّ احتمالها مرّ أليم ، وجفا ؛ فقبلت جفوته . على أن الرضا بها كالرضا بالطعنة المسدّدة ؛ كلّ نفس لها كارهة . . . » فقد بين المتكلم أنه احتمل الهفوة ، وهذا يوحى إلى النفس أن احتمالها سهل ، وأنه راض باحتمالها ، فأزال هذا الوحي بما ذكره من أنّ احتمالها مرّ وأليم ، كذلك بيّن أنه قبل جفوة صديقه . وهذا يشعر بأن قبولها كان عن رضا وارتياح ؛ فأزال هذا الوهم ، نافيا له ، مبينا أن الرضا به بغيض إلى النفس بغض الطعنة القاتلة . . . وكانت وسيلته للإبانة هي كلمة : « على » التي بمنزلة : « لكن » . ومن ذلك قولهم : « الإسراف كالشحّ ؛ كلاهما داء وبيل ، يخشى عواقبه اللبيب ، على أن داء الشّح أخفّ ضررا ، وأهون خطرا من داء الإسراف . . . » فقد بين أن كلاهما داء سيئ العاقبة ، وهذا يوحى إلى النفس أنهما في الشر سواء ، ومنزلتهما من الضرر واحدة ، فأزال هذا المعنى الفرعى المتوهّم بكلمة : « على » ، وما بعدها ؛ فهي بمنزلة : « لكن » ، التي تجىء أول الجملة لإبطال المعاني الفرعية الناشئة مما قبلها . ومن الأمثلة أيضا ما قاله الشاعر في أمر قربه أو بعده عن ديار أخلائه ، وأنه يفيد أو لا يفيد : بكلّ تداوينا ؛ فلم يشف ما بنا * على أنّ قرب الدار خير من البعد على أنّ قرب الدار ليس بنافع * إذا كان من تهواه ليس بذى ودّ فقد بيّن أولا أنه تداوى بالقرب وبالبعد فلم يفده واحد منهما . وعدم الإفادة بعد التجربة يوقع في الوهم أنهما سيان من كل الوجوه . لكنه أبطل هذا التّوهم بتصريحه بعد ذلك حيث يقول : « على أن قرب الدار خير من البعد » . فهذه الجملة تبطل ما سبق ، وتوحى بمعنى جديد ؛ هو : أن القرب مطلقا خير من البعد . ثم عاد فأبطل هذا المعنى الذي أوحى به الوهم بجملة جديدة ؛