عباس حسن

407

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

مثال ثالث : نام الوليد . فمعنى الفعل : « نام » معروف ، ولكنه معنى يشوبه بعض النقص الفرعىّ ؛ إذ لا يدل - مثلا - على المكان الذي وقع فيه النوم . فالعامل ؛ ( وهو هنا الفعل : نام ) بحاجة إلى إتمام المعنى بذكر المكان الذي وقع فيه أثره . فهل نقول : نام الوليد السرير ؟ لا نستطيع ذلك ؛ لأن الأساليب السليمة تأباه ، فالفعل عاجز عن إيصال معناه المباشر إلى تلك الكلمة ، فنلجأ إلى الوسيط المساعد ؛ وهو حرف الجر الأصيل ، - وشبهه - ليوصّل بين الاثنين ؛ ويعدّى الفعل اللازم إلى مفعول به معنى ، ( حكما ) ؛ فنقول : نام الوليد في السرير . ومثل هذا يقال في الفعلين : « دعا » ، و « ذم » من قول الشاعر : ومن دعا الناس إلى ذمّه « 1 » * ذموه بالحق وبالباطل . . . وهكذا . . . من كل ما سبق نفهم أن حرف الجر الأصلي « 2 » مع مجروره إنما يقومان بمهمة مشتركة ومزدوجة ، كانت السبب القوىّ في مجيئهما ؛ وهي : إتمام معنى عاملهما ، واستكمال بعض نقصه « 3 » بما يجلبانه معهما من معنى فرعىّ جديد ؛ وأحدهما - وهو حرف الجر الأصلي « 2 » - يقوم بمنزلة الوسيط الذي يصل بين معنى العامل والاسم المجرور ، ويجعل عامله اللازم متعديا حكما وتقديرا ويعبر النحاة عن كل هذا تعبيرا اصطلاحيّا ؛ هو : « أن الجار الأصلىّ - وشبهه - مع مجروره متعلّقان بالعامل » « 4 » . فالمراد من تعلقهما به هو : اتصالهما وارتباطهما به ؛ لتكملة معناه الفرعىّ على الوجه الذي سلف . كما نفهم أيضا ما يقولونه من : أن الاسم المجرور بالحرف الأصلي - وشبهه - هو بمنزلة « المفعول به » لذلك العامل ؛ لوقوع معنى العامل عليه ؛ كما يقع على « المفعول به » ؛ فكلا الاسمين يقع عليه معنى عامله ، وكلاهما يتمم معنى العامل ، والمتعلّق به . إلا أن المفعول به منصوب ، ويصل إليه معنى ذلك العامل مباشرة ، أما الاسم الآخر فمجرور بحرف الجر الأصلي « 1 » ، ولا يصل إليه معنى عامله « وهو المتعلّق به » إلا بوسيط ، ولا يصح تسميته مفعولا به حقيقيّا ، بالرغم من أنه

--> ( 1 ) بأن يفعل ما يستدعى أن يذموه بسبه . ( 2 و 2 ) وكذا ما ألحق به ( 3 ) لتجلية هذه المسألة أيضا والسبب في وجوب التعلق تراجع ص 236 . ( 4 ) إلا الحرف : « على » إذا كان معناه الإضراب - كما أشرنا في رقم 2 من هامش ص 406 و 1 من هامش ص 412 ويجئ البيان في ص 472 .