عباس حسن

364

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

السابع : انقسامها بحسب الزمان إلى : مقارنة ، ومقدّرة « 1 » ( مستقبلة ) . . . فالمقارنة هي التي يتحقق معناها في زمن تحقق معنى عاملها ، وحصول مضمونه ؛ بحيث لا يتخلف وقوع معنى أحدهما عن الآخر ، نحو : ( أقبل البرىء فرحا ، - هذا يسوق السيارة الآن محترسا ) - فزمن الفرح ، والاحتراس ، هو زمن وقوع معنى الفعلين : أقبل - يسوق . والمقدّرة ، أو المستقبلة « 2 » : هي التي يتحقق معناها بعد وقوع معنى عاملها ، أي : بعد تحقق معناه بزمن يطول أو يقصر ؛ فحصول معنى الحال هنا متأخر عن حصول مضمون عاملها ؛ نحو : سيسافر بعض الطلاب غدا إلى البلاد الغربية ؛ موزّعين فيها ، متدرّبين في مصانعها . ثم يعودون عاملين في مصانعنا ؛ فزمن التوزع والتدرب متأخر عن السفر ، الذي هو زمن حصول العامل ، ومستقبل بالنسبة له . وكذلك العمل متأخر عن العودة . وكقوله تعالى في الإنسان : ( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ ، إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) فكلمة « شاكرا » حال ، وزمن وقوعه متأخر - حتما - عن زمن عامله ( وهو الفعل : هدى ) ، وكلمة : « كفورا » معطوف عليه ، وهو حال مثله . وكذلك قوله تعالى للصالحين أهل الجنة : ( ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ ) ، وقوله تعالى : ( فَادْخُلُوها خالِدِينَ ) ، فكلّ من الأمن والخلود متأخر في زمنه عن زمن الدخول لا محالة « 3 » . . .

--> ( 1 ) سيجئ - في رقم 3 من هذا الهامش - نوع ثالث يذكره بعض النحاة ويعارض فيه آخرون . ( 2 ) وهي التي أشرنا إليها في رقم 2 من ص 339 . ( 3 ) أما النوع الثالث الذي يسميه بعض النحاة : « الحال المحكية » فحال وقع معناها قبل النطق بها ؛ نحو : نزل المطر أمس فياضا ، واندفع في طريقه جارفا . وقد عارض - بحق - كثرة النحاة في هذا القسم وفي أمثلته بحجة قوية ؛ هي أن العبرة إنما تكون بمقارنة الحال وقت تحقق معناها وحين وقوعها ووجودها - لزمن العامل وتحقق معناه - كالتي هنا ، وليست لزمن المتكلم . هذا إلى أن الأمثلة المعروضة ( وأشباهها ) وقد جاءت فيها « الأحوال » مشتقات نوعها اسم فاعل ، واسم الفاعل حقيقة في الزمن الحالي ، عند عدم القرينة التي توجهه لزمن غير الحال . فالتعبير به عن الماضي ، يعتبر مجازا ويسمى « حكاية حال ماضية » . وهذه الحجة صحيحة ، وبرغم صحتها لا أهمية للخلاف . لأن الغرض المطلوب هو الحكم على مثل تلك « الأحوال » بالصحة والبعد عن الخطأ . وقد ثبت أن ذلك الاستعمال صحيح والأسلوب سليم ، فلا أهمية بعد ذلك لأن يكون الاستعمال الصحيح حقيقيا أو مجازيا وإن كانت قلة الأقسام - من غير ضرر - أمرا محمودا .