عباس حسن
290
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
رابعها : امتناع العطف ووجوب النصب - في الأصح - ، إمّا على المعية ، إن استقام المعنى عليها . وإما على غيرها إن لم يستقم ؛ ( كنصب الكلمة مفعولا به لفعل محذوف ) ؛ وذلك منعا لفساد لفظي أو معنوي . فمثال وجوب النصب على المعية لمانع لفظي يمنع العطف : نظرت لك وطائرا ؛ لأن الأصل - الغالب - في العطف على الضمير المجرور أن يعاد حرف الجر مع المعطوف ؛ كما في قول الشاعر : فما لي وللأيّام - لا درّ درّها * تشرّق بي طورا ، وطورا تغرّب فقد أعاد اللام مع المعطوف « 1 » ، ومثال النصب لمانع معنوي يمنع العطف : مشى المسافر والصحراء . بنصب كلمة : « الصحراء » على المعية ؛ إذ لو رفعت بالعطف على كلمة : « المسافر » لكان المعنى : مشت الصحراء . وهذا فاسد . ومثال النصب على غير المعية بتقدير فعل محذوف ينصب الكلمة مفعولا به : دعينا لحفل ساهر فأكلنا لحما ، وفاكهة ، وخضرا ، وماء عذبا ، وغناء ساحرا - فيجب نصب كلمة : « ماء » وكلمة : « غناء » بفعل محذوف يناسب كلا منهما . والتقدير : وشربنا ماء عذبا ، وسمعنا غناء ساحرا . . . ولا يصح النصب على المعية ، ولا على العطف « 2 » وإلا فسد المعنى . ومثله قول الشاعر : تراه كأنّ اللّه يجدع أنفه * وعينيه إن كان مولاه له وفر « 3 » يريد : ويفقأ عينيه ؛ لأن الجدع - خاص بالأنف ، فلا يكون للعينين . . . « 4 »
--> ( 1 ) سيذكر هذا البيت لمناسبة أخرى في باب العطف ج 3 - م 116 . ( 2 ) لأن الماء لا يؤكل ، وكذا الغناء ، ولأن سماع الغناء في الحفل الساهر يكون بعد الأكل - عادة - لا معه في زمنه . وعند تقدير فعل محذوف مناسب . تنشأ جملة فعلية تكون معطوفة بالواو على الجملة الفعلية الأولى ؛ فالعطف - على الأصح - عطف جمل . والممنوع عطف المفردات ، إذ لا يجوز عطف « ماء » ولا غناء على : لحما . لكن يصح عطف جملة : « شربنا » وجملة : « سمعنا » على الجملة الأولى ؛ وهي : « أكلنا » . ( وستجىء مناسبة أخرى لهذا في ج 3 باب العطف عند الكلام على العطف بالواو ) . ( 3 ) الوفر الزيادة . والبيت يذم حقودا بأنه يحزن لنعمة تبدو على جاره أو صاحبه ، ويتألم كمن جدع أنفه ، أو فقئت عيناه . ( 4 ) وإلى شطر من هذه الحالة يشير ابن مالك قائلا : والنّصب - إن لم يجز العطف - يجب * أو اعتقد إضمار عامل نصب