عباس حسن
126
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
وثانيهما : إعرابه مفعولا به لعامل محذوف وجوبا ، يدل عليه ويرشد إليه العامل المذكور بعده في الجملة ، فيكون العامل المحذوف وجوبا مشاركا للمذكور إما في لفظه ومعناه معا ، وإما في معناه ، فقط ، ولا يصح الجمع بين العاملين ما داما مشتركين « 1 » ، إذ الموجود عوض عن المحذوف . فمثال الأول : الأمين شاركته ، فالتقدير : شاركت الأمين شاركته . ومثال الثاني : البيت قعدت فيه ، التقدير : لابست البيت ، قعدت فيه : أو : لازمت البيت ، قعدت فيه . ومثل : الحديقة مررت بها ؛ أي : جاوزت الحديقة مررت بها . وهكذا نستأنس بالعامل الموجود في الوصول إلى العامل المحذوف وجوبا من غير أن نتقيد بلفظ العامل الموجود أحيانا . أمّا معناه فنحن مقيدون به في كل حالات الاشتغال . مع جواز الأمرين السالفين فالأول ( وهو إعرابه مبتدأ ) أحسن ؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير عامل محذوف ، ولا إلى التفكير في اختياره ، وفي موافقته للعامل المذكور ، وقد تكون موافقته معنوية فقط ؛ فتحتاج - أحيانا - إلى كدّ الفكر « 2 » . * * * والنحاة يتخيرون هذا الموضع للكلام على حكم كثير من الأسماء المتقدمة على عواملها ، وينتهزون فرصة « الاشتغال » ليعرضوا أحكام تلك الأسماء ؛ سواء منها ما يدخل في باب « الاشتغال » وتنطبق عليه أوصافه التي عرفناها ، وما لا يدخل فيه ، ولا تنطبق عليه صفاته « 3 » . وهم يقسمونها ثلاثة أقسام « 4 » : ما يجب نصبه ، وما يجب رفعه ، وما يجوز فيه الأمران .
--> ( 1 ) فإن لم يكونا مشتركين جاز أن يكون الأول مذكورا . ومعنى هذا جواز نصب الاسم السابق بفعل مخالف للمذكور ؛ فلا اشتغال معه ؛ - كما سنوضحه في الزيادة والتفصيل في رقم 2 من ص ؛ 13 - . ( 2 ) والبلاغيون يفرقون بين الأمرين ؛ إذ يترتب على أحدهما أن تكون الجملة اسمية ، وعلى الآخر أن تكون فعلية ، وفرق بلاغى بين المدلولين مع صحتهما ؛ لهذا يقولون : إن أحسن الأمرين هو ما يتفق مدلوله مع غرض المتكلم . فإن لم يعرف غرضه فهما سيّان . ( 3 ) كالحالة التي يجب فيها رفع الاسم السابق ؛ إذ لا ينطبق عليها في الصحيح تعريف « الاشتغال » الأصيل . ومثلها حالات الرفع الأخرى التي يكون الرفع فيها جائزا ، فحالة الرفع بنوعيه لا ينطبق عليها - في الصحيح - الاشتغال الحقيقي ، ما دام الاسم مرفوعا - كما سيجئ في « ب » من ص 128 ثم انظر رقم 3 من ص 134 - . ( 4 ) الواقع أنهم يقسمونها خمسة أقسام ، « قسم يجب فيه النصب ، وقسم يجب فيه الرفع ، وقسم يجوز فيه الأمران والنصب أرجح ، وقسم يجوز فيه الأمران والرفع أرجح ، وقسم يجوز فيه الأمران على -